لم تعد التطورات الأخيرة في السياسة الخارجية الأميركية تُقرأ بسهولة ضمن سردية الانهيار أو الاستمرارية. فالمشهد الحالي، بكل تعقيداته، لا يعكس تفككًا حتميًا للنظام السياسي في الولايات المتحدة بقدر ما يكشف عن تحول عميق في طبيعة الدور الأميركي نفسه. هذا التحول يتجلى بوضوح في طريقة إدارة التصعيد مع إيران، وفي التوتر غير المسبوق داخل التحالفات الغربية، وعلى رأسها حلف شمال الأطلسي (الناتو).
التصعيد الذي تبنّته إدارة ترمب ضد إيران، خصوصًا عبر طرح خيار الحصار البحري، لم يكن مجرد خطوة عسكرية، بل كان اختبارًا لطبيعة القيادة الأميركية في مرحلة دولية جديدة. اللافت أن هذا التصعيد تزامن مع رفض واضح من حلفاء أساسيين داخلالناتو، مثل بريطانيا وفرنسا، للانخراط فيه. هذا الرفض لا يعكس خلافًا تكتيكيًا عابرًا، بل يشير إلى تغير أعمق في منطق العلاقة بين واشنطن وحلفائها.
في جوهره، يكشف هذا المشهد عن توتر بنيوي داخل القرار الأميركي. فمن جهة، هناك منطق الواقعية الاستراتيجية الذي يضع في الاعتبار كلفة التصعيد، وأهمية تماسك التحالفات، واستقرار أسواق الطاقة العالمية. ومن جهة أخرى، هناك ضغط سياسي وأيديولوجي داخلي يدفع نحو إظهار الحسم، وتأكيد الهيبة، وتجنب أي مظهر للتراجع. هذا التوتر لم يبقَ نظريًا، بل انعكس عمليًا في التباين بين الخطاب السياسي الذي بدا متشددًا في البداية، وبين التعديلات اللاحقة التي قيّدت نطاق التصعيد، في محاولة لمواءمة الطموح السياسي مع القيود العسكرية والقانونية.
غير أن الأهم من ذلك كله هو ما يكشفه هذا الوضع عن تحول في طبيعة التحالفات الأميركية. فالعلاقة لم تعد قائمة على الانقياد شبه التلقائي للقيادة الأميركية، بل أخذت تتجه نحو نموذج أكثر تعقيدًا يمكن وصفه بـالتحالف الانتقائي المشروط. في هذا النموذج، لم يعد الحلفاء مستعدين لتحمل كلفة قرارات لا يرون أنها تخدم مصالحهم المباشرة أو تندرج ضمن إطار الدفاع الجماعي المتفق عليه. هذا لا يعني أن التحالفات الغربية في طريقها إلى التفكك، كما يذهب بعض أصحاب الخطابات المتسرعة. بل الأدق هو أن هذه التحالفات تشهد تآكلًا في اليقين، خصوصًا على الجانب الأوروبي، تجاه مدى استمرارية الاعتماد غير المشروط على الولايات المتحدة. فالإشارات المتكررة إلى احتمال تقليص الالتزام العسكري الأميركي في أوروبا، والضغوط للانخراط في أولويات لا يُجمع عليها الحلف، تدفع الأوروبيين إلى إعادة التفكير في موقعهم داخل المعادلة الأطلسية.
انعكاسات هذا التحول تتضح بشكل خاص في التعامل مع إيران. فغياب التوافق التحالفي يحدّ من قدرة الولايات المتحدة على تحويل تفوقها العسكري إلى ائتلاف دولي يمنح الشرعية السياسية لأي تصعيد. كما أن العمليات الممتدة، مثل الحصار البحري، تصبح أكثر كلفة وأقل استدامة في غياب الدعم الجماعي. وفي المقابل، يمنح هذا الانقسام إيران هامشًا أوسع للمناورة، ويشجعها على تبني استراتيجيات تقوم على استنزاف الإرادة الأميركية بدل مواجهتها مباشرة.
غير أن تداعيات هذا التحول لا تقتصر على الشرق الأوسط، بل تمتد مباشرة إلى الحرب الروسية على أوكرانيا، التي تُعدّ اليوم الاختبار الأهم لتماسك الغرب. فنجاح الدعم الغربي لكييف اعتمد، منذ بدايته، على درجة عالية من التنسيق داخل الناتو، وعلى وضوح القيادة الأميركية في توحيد المواقف وتوزيع الأعباء. لكن مع بروز نمط التحالف الانتقائي، يصبح هذا التماسك أكثر هشاشة، وتتحول القرارات من كونها انعكاسًا لإجماع استراتيجي إلى محصلة تفاوض بين أولويات متباينة. في هذا السياق، لا يُتوقع أن ينهار الدعم الغربي لأوكرانيا بشكل مفاجئ، لكنه قد يصبح أبطأ وأكثر ترددًا، خاصة إذا اضطرت واشنطن إلى إعادة توزيع مواردها واهتمامها نحو أزمات أخرى. والأهم أن هذه الإشارات لا تمرّ دون قراءة في موسكو، حيث يراقب بوتين أي تصدع في الجبهة الغربية بوصفه فرصة لإطالة أمد الحرب واختبار حدود الردع. بذلك، لا يظهر تأثير التحول في القيادة الأميركية على شكل انسحاب مباشر، بل في إعادة تشكيل تدريجية لطبيعة الالتزام الغربي، من دعم موحد وصلب إلى دعم أكثر تفاوتًا ومشروطًا، وهو تحول قد يكون كافيًا للتأثير في مسار الحرب نفسها.
على مستوى أعمق، ما نشهده اليوم ليس مجرد أزمة إدارة أو خلاف عابر داخل التحالفات، بل هو تعبير عن مشكلة ملاءمة بين أدوات القوة الأميركية التقليدية وواقع دولي أكثر تعددية وتعقيدًا. فالولايات المتحدة لا تزال القوة العسكرية الأبرز، لكنها تواجه صعوبة متزايدة في تحويل هذه القوة إلى نتائج سياسية مستقرة من دون دعم تحالفي واسع.
الخلاصة أن الأزمة الحالية لا تعني انهيار القيادة الأميركية، لكنها تشير بوضوح إلى انتقالها من نموذج يقوم على الانضباط التحالفي وإنتاج الإجماع، إلى نموذج أكثر اندفاعًا وأقل قدرة على بناء توافق دولي. وهذا التحول، إذا استمر، لن يحد فقط من فعالية السياسات الأميركية تجاه إيران، بل قد يعيد تعريف أحد أهم مصادر القوة الأميركية تاريخيًا: قدرتها على القيادة عبر التحالف، لا عبر القوة وحدها.
