للوهلة الأولى يبدو هذا السؤال وكأنّه افتراضي حتى لا نقول ساذجاً، وذلك لأن مثل هذا السؤال ليس قائماً في الواقع بسبب طبيعة العلاقة بين الوضعين، تحالفاً وارتباطاً واعتمادية وارتهاناً، تأثّراً وتأثيراً.
وتبدو المساحة المشتركة بين هذين الوضعين أكبر من أيّ علاقة نشأت بين كيانين أو دولتين أو نهجين، بل وحتى ثقافتين طاغيتين على مدار التاريخ السياسي للتجربتين في «العجينة» الأيديولوجية بالرغم من المدى والفرق الزمني بينهما.
لم يحُل هذا الفارق الزمني على ما يبدو دون أن تكون هذه الترابطات بين الحالتين على الدرجة التي شهدناها على مدى ما يقارب القرن وربع القرن من السياق التاريخي المتدرّج، والتي ما زلنا نشهدها حتى الآن، والتي بدأت وتائرها بالتغيّر تدريجياً ــ على ما يبدو ــ نحو مطبّات ومُنعرجات ومُنعطفات لم تكن بالحسبان السياسي اليقيني، دون أن يخلو الأمر أحياناً من تنبُّؤات واستقراءات نخبوية الطابع، و»ثقافية» المحتوى و»تَرَفِيَّة» الفكر الأيديولوجي.
المهم في الأمر هنا هو أن عضوية العلاقة، ومصيريّتها تسمح لنا بالمقارنة بين الحالتين حتى لو أن المقارنة ستحتاج إلى جهود «نظرية» إضافية قبل الاستدلال على مدى تأثير الوضع الأول في الثاني، وتأثير الثاني على الأوّل وفيه، وحتى لو أن تأثيره ــ أي التأثير الإسرائيلي على الأميركي ــ لا يمكن أن يكون مصيرياً إلى نفس الدرجة والحدّ الذي هو عليه التأثير الأميركي على المصير الإسرائيلي.
نحن هنا أمام إشكاليات فكرية ونظرية تحتاج إلى مقاربات جديدة، لا للوصول إلى يقين قطعي، وإنّما لإعطاء دفعة حقيقية، ونقل النقاش من دائرة «الترف» إلى المقاربات السياسية المباشرة، وهي مقاربات كانت مستبعدة من الناحية العملية.
ولم تكن مثارة قبل اندلاع الحرب التي تدور رحاها منذ سنتين ونصف السنة في ساحات عدّة، وبأشكال عدة، وبأسلحة عدّة ومتعدّدة، تتصارع من خلالها حروب المفاجآت والاستخبارات، وحروب الإعلام والسرديات، وحروب الإرادة والإبادة، وحروب «السيبرانيا» وأحدث تكنولوجيات الصواريخ، وحروب الفضاء والأقمار الصناعية، وحروب فنون الحرب الحديثة، والمفاوضات في «أفخر» أشكالها كفاءة واقتداراً ودهاءً.
ولأن هذه الحروب هي على هذه الدرجة من الخطورة والأهمية، ولكونها على درجات كبيرة وعالية من المصيرية. ولها مواصفات حقيقية من «الوجودية» فقد كشفت هذه الحروب بصورة غير مسبوقة عن الواقعين الأميركي والإسرائيلي، وعن درجة تأثير كل منهما في الآخر، وعن ــ وهذا هو الأهم ــ واقع مصير كل طرف منهما ارتباطاً بالآخر.
أغلب الظن أن الإجابة عن سؤال المقال هي أن الوضع الأميركي أسوأ من الوضع الإسرائيلي بدرجات، ولكن الوضع الإسرائيلي مع ذلك هو على درجة من السوء بما يتصل بمعايير مختلفة، ولكي أوضّح الفكرة هنا سنحتاج إلى ما يشبه وسيلة إيضاح.
يسري في جسد الحالتين نوع معيّن من «السمّ»، ويسري هذا السمّ بكمية أكبر، وأسرع تغلغلاً في خلايا الجسد الأميركي في حين درجة مقاومة الجسد الإسرائيلي أضعف من مقاومة الجسد الأميركي بما يعرّضه لخطر أكبر في حال إن تمكّن السمّ من الوصول إلى بعض الأعضاء الحسّاسة في هذا الجسد.
وبهذا المعنى فقط فإن الوضع الأميركي أكثر سوءاً من الوضع الإسرائيلي، لأن أميركا ستكون خسارتها الكبرى هي الضعف، وربما الوهن عن الاحتفاظ بالهيمنة التي تمثل جوهر مكانتها العالمية، وسيتعين عليها «تنظيم» تراجع هذه المكانة، ومحاولة جدّية، وللمرة الأولى منذ الحرب العالمية الثانية، وحتى يومنا هذا بأن تكون هذه المراجعة منزوعة الحروب الكبيرة، بسبب أن الحروب الكبيرة باتت أكبر وأخطر على الاقتصاد الأميركي من أي مرحلة أخرى، وبسبب أن المنافسين لأميركا في الحلبة الدولية لم يعودوا على أي استعداد لقبول فكرة الهيمنة من أساسها، وهو الأمر الذي لم يعد يسمح لأميركا باحتكار حصرية الحروب للدفاع عمّا تراه مصالحها الحيوية، في حين لا ترى في دفاع الآخرين عن مصالحهم الحيوية حقاً مماثلاً «لحقّها»، بل وتعتبر هذه الحروب اعتداءات، وغزوات، وغيرها من المسمّيات.
الحرب التي تدور في الشرق الأوسط هي حرب إقليمية لها مواصفات عالمية لأنها أدخلت العالم كلّه في هذه الحرب من البوابة الاقتصادية ــ وهي البوابة الأكثر حساسية وتأثيراً على استقرار العالم، وهي البوابة الأكثر تهديداً لأمن العالم، ويكاد العنصر الميداني ــ على أهمية دوره ــ أن يكون في المرتبة الثانية من الأهمية.
وتتوضّح أزمة أميركا، ويتكشّف سوء وضعها أكثر فأكثر كلما لجأت إلى الحرب الحقيقية، وليس حروب التهديد والوعيد، وحروب التخويف واستعراض القوة، وذلك لأن مبدأ القوة بالذات هو الذي كسر في الحروب الحقيقية، ولم يوجد مبدأ القوة إلّا في الحروب مع الضعفاء، ومن صغار الأتباع، ومع المحسوبين على الأدوات أو الأوراق.
مع سقوط مبدأ فرض الهيمنة بالقوة بات على أميركا الإبقاء على دورها العالمي، وليس مكانتها الدولية، وذلك بالرجوع إلى شكل معيّن من «الحرب الباردة»، بثوبٍ جديد، أو بأشكال جديدة، وليس بأي شكل آخر، والعودة إلى المنافسة والمزاحمة وليس الإقصاء.
دون ذلك لا مناص من المقامرة، والمغامرة ليس بالمكانة، ولا بالدور فقط، وإنّما المغامرة بوحدة الجمهورية والمقامرة بالسلم الأهلي، والعبث بالمصير الأميركي نفسه.
وحتى لو سقط الحزب الجمهوري في الانتخابات النصفية، وخسر الانتخابات الرئاسية، والانتخابات التكميلية بعد ما يزيد على السنتين ونصف السنة فإن إمكانية أن تتمكن المؤسسة الأميركية، بما فيها المؤسسة الدستورية نفسها من «لجم» الجماعات الأميركية تظل إمكانية واردة بالرغم من حالة اختطاف الدولة القائمة اليوم في أميركا.
وتظلّ مصالح قطاعات اقتصادية واجتماعية واسعة في أميركا قادرة على وقف النزيف الدستوري، ووقف حالة الاستهبال التي تمارسها «الترامبية» السياسية، ووقف حالة المهانة والانحدار التي وصلت بأكبر دولة، وأقوى دولة في العالم إلى أرخص أشكال السخرية.
أما الوضع الإسرائيلي فبالرغم من أن هناك مساحات واسعة من المشترك في السوء مع الحالة الأميركية، إلّا أن السوء الإسرائيلي له مساحات إسرائيلية خاصة وفريدة. والسبّب هو أن هامش «عبقرية الفشل» الإسرائيلي أكبر بكثير من الأميركي.
أما دولة الاحتلال فإن رعونة وعناد، و»الزنقة» القضائية لرئيس وزرائها بنيامين نتنياهو فوّت عليها، فرصة «ترصيد» بعض الإنجازات الميدانية، وقد أوهمت نفسها أنها أمام فرصة أكبر من مجرد الترصيد، وأخذتها «العزّة بالإثم» عندما رأت أن «اللقمة أصبحت بالفم»، وأنه لم يتبقّ إلّا القليل لإنجاز المهمة الأكبر من كلّ مهمة.
هنا وقعت دولة الاحتلال في شرّ أعمالها. لم تقدّر أنها ومن أجل إنجاز المهمة كان عليها هي أن تقاتل على الأرض، ولم يكن مطلوباً من أميركا أن تقاتل على الأرض، وقامت الأخيرة بتوفير كل أشكال القتال الجوّي والبحري والاستخباري، ووفّرت لدولة الاحتلال ما لم يتوفّر من دعم على مدى كامل التاريخ الحديث للحروب، ولكنها لم تقامر، ولم تغامر بالنزول للقتال على الأرض إلّا في بعض «العمليات الخاصة».
دولة الاحتلال فشلت فشلاً «مؤزراً» في الحرب على الأرض، ولم تنجح إلّا بالقتل، والتدمير والفتك بالمدنيين وتهجيرهم، وإبادة الحياة حيث وصلت أياديهم، لكنها فشلت بالقتال، وهنا كسرت القوة الإسرائيلية، وعلى مدى عامين ونصف العام، وباستخدام كامل القوات النظامية، وكامل قوات الاحتياط فشلت في حسم أي معركة حتى نهايتها، وفرضت عليها إيران كل شروطها عندما قبلت دولة الاحتلال بالامتثال التام «للظروف» الأميركية للحرب، وليس للظروف الإسرائيلية.
عادت دولة الاحتلال الآن لدور الشريك من الباطن، وخسرت حرب الشريك المضارب، وبذلك لم يعد القرار حتى مجرد قرار مشترك، والعالم لم يعد يرى في حروب دولة الاحتلال مصلحة من أي نوع كانت، ولم تعد الأخيرة مجرّد عبء أخلاقي، بل باتت أقرب إلى الخطر العام، وإلى المطلوب إيقافه، والمهدّد بالعقاب حتى لو أننا لسنا إلّا في مرحلة الزجر بعد.
الوضع الإسرائيلي لا يحتمل الحرب الأهلية، والحالة الجماهيرية فيه ما زالت أقرب إلى الغضب من عدم كفاية «القتل»، بل إن قطاعات واسعة من قطيع الغضب ما زال يرى في عدم كفاية القتل السبب في عدم نجاح القتال.
لهذا كله فإن سوء الوضع الإسرائيلي على دولة الاحتلال أقلّ خطراً من السوء الأكبر في أميركا من زاوية واحدة ووحيدة، وهي أن «عبقرية الفشل» في دولة الاحتلال ما زالت قابلة للتسويق على أنها يمكن أن تكون بسبب نقص المعارك، والحروب، و»نقص» شديد في القتل، إلى أن ينجحوا في القتال.

شاركها.