ليس الصمت الذي يخيّم على الشارع الفلسطيني اليوم لغزًا، أو عرضاً عابراً، ولا يمكن اختزاله في تفسيرات أخلاقية سطحية. ما نشهده هو نتاج بنية اجتماعية وسياسية معقّدة، حيث تتراكم أشكال السيطرة والإنهاك إلى درجة تُعيد فيها المجتمعات إنتاج عجزها. فما نراه ليس فقط مجتمعًا فلسطينياً في غزة يعيش تحت ضغط مركب، بل مجتمعًا أُعيد تشكيل وعيه تدريجيًا ليقبل بما كان يُفترض أن يكون غير مقبول.

وفق مفهوم “الهيمنة” عند أنطونيو غرامشي، لا تقوم السيطرة فقط على القوة، بل على تشكيل وعي عام يقبل بالواقع كقدر، أو يقبل التطبيع مع الواقع. في الحالة الفلسطينية، لم تُفرض أو تُنتج هذه الهيمنة فقط من الخارج، بل ساهمت فيها البنية السياسية الداخلية، التي فشلت في إنتاج مشروع جامع، وتركت المجتمع عالقًا بين خطابات متناقضة ووقائع أكثر قسوة. وربما أخطر من ذلك، عبر إعادت تعريف الممكن، وخفّضت سقف التوقعات، حتى أصبح البقاء هو الإنجاز الوحيد.

هنا يبرز دور الفاعلين المحليين، وفي مقدمتهم حركة حماس، التي لعبت دوراً في تعميق حالة الإنهاك. حيث لا يمكن قراءة المشهد الحالي دون تفكيك أثرها الممتد. فمنذ سيطرتها على غزة، كرّست الحركة نموذجًا يجمع بين خطاب مقاوم عالي السقف، وممارسة سلطوية على الأرض، وهو ما خلق فجوة عميقة بين الشعارات والواقع. هذا التناقض لم يمرّ دون كلفة، بل تراكم عبر السنوات على شكل إنهاك مستمر للمجتمع، الذي وجد نفسه يدفع ثمن خيارات لا يملك قرارها الكامل. هذا النمط لم يكن مجرد خطأ تكتيكي، بل تحوّل إلى سياسة مستمرة حمّلت المجتمع كلفة مفتوحة.

ولو ذهبنا نحو استخدام مفهوم “العنف الرمزي” لدى “بيير بورديو”، يمكن فهم كيف ساهم هذا النموذج في إعادة تشكيل وعي الأفراد. حين يُطلب من الناس تحمّل كلفة مستمرة تحت عناوين كبرى، دون نتائج ملموسة على مستوى الحماية أو تحسين شروط الحياة، فإن ما يحدث ليس فقط إنهاكًا ماديًا، أو إعادة تعريف لما هو مقبول وما هو مرفوض، بل إعادة ضبط تدريجي لتوقعات الناس، بحيث يصبح الألم نفسه جزءًا من الطبيعي.

هذا يتقاطع مع فكرة ما يسمى “إرهاق الفعل الجماعي”، ومع سؤال غياب التذمر عن الألم، حيث يؤدي التكرار المستمر لدورات التصعيد والتهدئة، دون أفق سياسي، إلى تآكل الإيمان بجدوى أي فعل، ويصبح الانسحاب خيارًا عقلانيًا. وعند هذه النقطة، لا يكون الصمت خيارًا، بل نتيجة منطقية لمسار طويل من الاستنزاف.

لكن، وفي موازاة ذلك، يبرز سؤال لا يقل خطورة: أين السلطة الفلسطينية؟ وكيف تحوّلت من إطار يُفترض أن يمثل الناس ويدافع عنهم، إلى كيان يبدو منفصلًا عن معاناتهم؟ إن غياب الفعل، والاكتفاء بإدارة شكلية للأزمة، والبحث المستمر عن شرعية متآكلة، عبر انتخابات تنظيمية معلومة النتائج أو مركبة النتائج. كل ذلك جعل من السلطة جزءًا من المشكلة، لا رافعة للحل.

بهذا المعنى، فإن ما يعيشه الفلسطيني اليوم ليس فقط نتيجة احتلال، بل أيضًا نتيجة منظومة داخلية متشابكة: حماس التي مارست قناعات وحسابات مغلوطة واتخذت قرارات كبرى دون حساب كلفتها المجتمعية، وسلطة شرعية نواة الدولة قيد الحلم تخلّت عن دورها، ضمن حسابات لا نعلمها، ومجتمع تُرك وحيدًا ليدفع الثمن.

في المقابل، تستفيد إسرائيل من هذا الواقع المركّب، حيث لا تواجه فقط مجتمعًا مُنهكًا، بل أيضًا مجتمعاً فقد إيمانه بإمكانية تحويل معاناته إلى فعل سياسي منظم.

المشكلة، إذن، ليست في صمت الناس وعدم حراكها، بل في منظومة كاملة أنتجت هذا الصمت. منظومة يتداخل فيها الاحتلال مع البنية السياسية الداخلية، وتتقاطع فيها الهيمنة مع العنف الرمزي، ليُعاد إنتاج واقع يبدو وكأنه بلا بدائل.

الخطر الحقيقي لا يكمن فقط في استمرار هذا الصمت، بل في تحوّله إلى حالة دائمة. لأن المجتمعات لا تنهار فقط تحت القهر، بل عندما يُعاد تشكيل وعيها بحيث تتوقف عن مساءلته. وعند هذه النقطة، لا يكون السؤال: لماذا لا يتكلم الناس؟ بل: من المسؤول عن قتل قدرتهم على السؤال أصلًا؟

شاركها.