بعنوان انكسارٍ لم يكن موجهاً للعامة؛ ظهرت ‘بثينة’، ابنة الفنان علي الحجار، في مقطعٍ مرئيٍ منذ أيام، تبث أوجاعها التي كان من المفترض أن تظل حبيسة دائرة أصدقائها المغلقة. وبحسب تأكيدات والدتها لاحقاً، تبين أن المقطع كان خاصاً وسُرِّب من حسابٍ غير عام، مما يضاعف من وطأة الصدمة؛ فالمسألة هنا تتجاوز التسريب لتصل إلى خيانة الثقة.

​لم تحمل هموم الفتاة طابع الاستغاثة المدروسة، بل جاءت ‘فضفضةً’ إنسانيةً فُرضت بضعفٍ طارئ، استعرضت خلالها بثينة ثقل الحِمل النفسي الذي تعايشه؛ بوحٌ لم يطلب حكماً أو تعاطفاً، بل كان مجرد تفريغٍ لغصةٍ تخنقُ الحلق، قبل أن تصطدم بمن كان يجلس بدائرة الثقة ويتربص بانكسارها، مُتخذاً منه بضاعةً داخل سوق النخاسة الرقمي، حيث تحولت المادة خلال لحظاتٍ مثيرةٍ للريبة إلى مادةٍ للجدل، إذ تسابقت الألسن والأصابع لنهش أطراف الحكاية واغتيال بقايا السكينة داخل بيتِ فنانٍ ظنَّ أن جدران مسكنه محمية.

​ولطالما كانت بيوت الفنانين في خيالنا أشبه بالقصور الزجاجية؛ الضوء مسلطٌ على واجهاتها، بينما تُترك الظلال في الأعماق لتنمو بعيداً عن أعين الرقباء. عبر هذه الأروقة، لا يواجه الأبناء تحديات البناء الاجتماعي والتأسيس النفسي السليم فحسب، بل يواجهون ضريبة ‘الأيقونة’ التي يحملها آباؤهم، حيث تتحول الرغبة في التحرر إلى بحثٍ عن متنفسٍ عبر فضاءاتٍ افتراضية لا ترحم. ولعلنا نستحضر في هذا السياق تجربة ديانا، أميرة ويلز، التي عُرفت إعلامياً بـ ‘أميرة القلوب’؛ فقد عاشت صراعاً مريراً لمحاولة خلق مساحةٍ للأبوة والأمومة بعيداً عن صخب الرأي العام، لتكتشف أن العالم يتربص بالهشاشة الإنسانية تحت عباءة المتابعة، وتتحول حياتها وحياة طفليها إلى مادةٍ استهلاكيةٍ لا تشبع. إن مأساة ديانا لم تكن محصورةً خلف أسوار القصر، بل في استحالة إغلاق الأبواب أمام عالمٍ قرر أن يمتلك حق الفرجة على تفاصيل أفراد عائلتها الدقيقة، وهو درسٌ قاسٍ يخبرنا بأن النهش الرقمي – بوجوهه المتعددة – ليس ظاهرةً وليدة اللحظة، بل هو ضريبةٌ يدفعها المشاهير حين ينسون أن وراء الجدران أرواحاً بشريةً، لا أيقوناتٍ صماء.

​إن هذا التباين، الذي قد يجعل من المشاهير رموزاً ملهمة للجماهير بينما يجدون أنفسهم غرباء في بيوتهم، يفرض عليهم استعادة “الأبوة” كمهنةٍ أولى، لا تقبل الإنابة أو التأجيل. فالمكانة التي تمنحها الشهرة ليست درعاً يحمي الأبناء، بل هي التزامٌ روحيٌّ يتطلبُ منحهم اهتماماً حميمياً مضاعفاً، يقتطعون فيه من وقت صعودهم ليمنحوه لأبنائهم، مدركين أن احتواء الابن هو البوصلة الحقيقية التي تعكس نجاح رسالتهم خلف الأبواب المغلقة، تماماً كما تعكس حصادهم في عيون المتابعين.

​وخلاصة القول، تظل ‘الخصوصية في مناقشة الأمور العائلية’ دستوراً راسخاً يؤسس لقدسية حياتنا التي تشكلت عبر سنين من الدفء والمودة، والأبوة المسؤولة، والبنوة المقدرة لحجم البذل والعطاء. فالسقوط في دوامة الخلافات أمرٌ وارد، ولكن صوت الارتطام يجب ألا يسمعه إلا أهل البيت؛ ليكتموا صداه معاً، بدلاً من هتك سترهم بأيديهم أمام الآخرين، سواء بالقول أو بالبث المباشر.”

شاركها.