رأى المستشار الاستراتيجي الإسرائيليّ، يائير مارتون أنّه “لم يعد هناك في الشرق الأوسط نصرٌ مطلق، حتى لو حاولوا تسويق ذلك لنا. لا يوجد سوى توازناتٍ مؤقتةٍ، تحالفاتٍ متغيّرةٍ وإدارة مستمرة للتوترات”.
وفي مقال له نشرته صحيفة “معاريف”، أضاف: “في عصرٍ يسارع فيه كلّ طرفٍ للإعلان عن النصر، تبدو الحقيقة في الشرق الأوسط مختلفة تمامًا: لا يوجد منتصرون. هناك فقط واقع من “التعادل العنيف”، وضع يتضرر فيه الجميع، لكن لا يُهزم فيه أيّ طرفٍ”.
واختتم: “هل انتصرت إيران؟ لقد تلقت ضرباتٍ، لكنّها لم تستسلم. ما تزال تمسك بالورقة المركزيّة، برنامجٌ نوويٌّ متقدمٌ ونفوذٌ إقليميٌّ عبر الأذرع. هذا ليس نصرًا، لكنّه بالتأكيد صمود مثير للإعجاب أمام ضغطٍ ثقيلٍ”.
من ناحيتها، قالت المستشرقة الصهيونيّة، كسانيا سفيتلوفا، “ترفض الحملة العسكريّة في إيران الالتزام بالجداول الزمنيّة التي وضعها مخططوها في واشنطن وتل أبيب، وبينما ترتفع أسعار الوقود ويبقى مضيق هرمز مغلقًا كشريانٍ مسدودٍ، لا يعيد البيت الأبيض النظر في مساره، بل ينشغل بحساباتٍ شخصيّةٍ”.
وأضافت: “كشفت رسالة بريدٍ إلكترونيٍّ مسربةٍ من البنتاغون عن عمق الإحباط السائد حاليًا في البيت الأبيض: إسبانيا هي الهدف، التي رفضت الوقوف إلى جانب الرئيس ترامب عندما أعلن الحرب على إيران، والآن يخطط ترامب لطردها من حلف شمال الأطلسيّ (الناتو)”، لافتةً في الوقت عينه إلى أنّ “هذه خطوة غيرُ مسبوقةٍ قانونيًا وجذرية سياسيًا”.
وأضافت: “ومع ذلك، لا يتوقف ترامب ووزير حربه، بيتر هيسيث، عند مدريد. تُثير الإدارة الآن قضية السيادة على جزر فوكلاند، وهي جرحٌ غائرٌ منذ أوائل الثمانينيات، وتُلمّح إلى تغيير في الموقف الأمريكيّ لصالح الأرجنتين بقيادة خافيير ميلي. لماذا الخلاف مع بريطانيا، أقرب حلفائها، التي حاولت الحفاظ على علاقاتٍ جيّدةٍ مع واشنطن رغم الإهانات والتجاوزات؟ الجواب بسيط: الانتقام”.
ورأت المستشرقة في مقالٍ نشرته بصحيفة (هآرتس) العبريّة أنّه “بالنسبة لترامب، السياسة الخارجيّة امتدادٌ لغروره، فكلّ مَنْ لم يقف إلى جانبه “حينما احتاج إليه”، أيْ عندما تعقدت الحرب مع إيران، مصيره أنْ يصبح هدفًا، ولطالما كان القادة والسياسيون عُرضةً لوعود (العين بالعين) في لحظات الضعف الوطنيّ، كما فعل جورج دبليو بوش بعد هجمات 11 سبتمبر. لكن ثمة فرق شاسع بين خوض حربٍ ضدّ عدوٍّ قاتلٍ وبين شنّ ثأرٍ ضد شركاءٍ في الطريق”.
وأوضحت أنّه “في حالة إسبانيا، يُعدّ إخراجها من حلف الناتو شبه مستحيلٍ وفقًا لميثاق الحلف، لكن مجرد طرح هذا الاحتمال خطوةٌ مُدمّرةٌ، وبينما يُغازل ترامب صديقه التركيّ أردوغان (الذي رفض أيضًا الانضمام إلى الحملة في إيران)، فهو مُستعدٌ للتضحية ببريطانيا وإسبانيا، وإذا مضى قُدمًا في خطته السابقة للانسحاب من الناتو، سواءً رسميًا أوْ فعليًا، فإنّ أول المتضررين ستكون الولايات المتحدة نفسها، لأنّ العقود الضخمة مع مُصنّعي الأسلحة الأمريكيين ستُحوّل إلى شركاتٍ أوروبيّةٍ”.
وشدّدّت على أنّه “يجب أنْ يتردد صدى هذا الدرس في تل أبيب أيضًا، فمنذ السابع من أكتوبر 2023، لم يُقدِّم نتنياهو وحكومته للشعب سوى منتج واحد: الانتقام، ويجري تنفيذ الانتقام بوحشيةٍ متواصلةٍ، في تدمير مدن غزة وجنوب لبنان، وفي طرد سُكّان البلدات الفلسطينية في الضفة الغربية، وفي ازدراءٍ سافرٍ للشركاء الأوروبيين غير المستعدين، كما فعل فيكتور أوربان، لتجاهل ما يحدث في الأراضي المحتلة”.
وأشارت إلى أنّه “يمكن للمرء أنْ يستمر في استفزاز الأوروبيين، وفي النهاية، ستكون إسرائيل هي المتضرر، كما يثبت الواقع في غزة عبثية سياسة الانتقام: فالحقيقة هي أنّه حتى بعد أنْ سمحنا لـ (الزرابفيف)، نسبة للحاخام الإسرائيليّ زربيف، الذي افتخر بهدمه لبيوت الفلسطينيين في القطاع، باقتحام غزة بمركباتهم من طراز (دي9) ودوس كلّ ما يمكن الدوس عليه، لا تزال حماس موجودةً، ورغم التصريحات العدائية (أريهم أين يتبول السمك)، لم تُقدِّم الحكومة الإسرائيليّة أيّ بديلٍ حقيقيٍّ سوى زرع الدمار، وعندما يصبح الانتقام هو الغاية القصوى، فإنّه يعمي القائد عن رؤية ما بعد الكارثة ويستنزف الموارد السياسيّة”.
وأكّدت أنّه “في نهاية المطاف، يُعدّ الانتقام إستراتيجيّة الضعفاء، وملجأ مَنْ فقدوا القدرة على تشكيل الواقع بالوسائل المنطقيّة والعسكريّة والسياسيّة، إذْ أنّه عندما يختار القائد إيذاء الآخرين بدلًا من مداواة شعبه، يكتشف أنّ تدمير الطرف الآخر لا يُغني عن أمنه”.
وخلُصت المستشرقة الصهيونيّة إلى القول إنّه “في غضون ذلك، تُلحق هذه الحملة الانتقاميّة المريضة ضررًا بالغًا بإسرائيل وهدفها الرئيسيّ، ألا وهو الحفاظ على أمنها واستقرارها مع دمجها في المنطقة والعالم”، على حدّ تعبيرها.
