في عالمٍ يموجُ بفتن الجشع الدولي، وتتقاطع فيه المصالح الضيقة فوق أشلاء القيم الإنسانية، نجد أنفسنا اليوم أمام مشهدٍ “سريالي” يعيد رسم خارطة القوى العالمية بمدادٍ من النار والحديد. 
إن ما يحدث الآن في مياه البحر الأحمر ومضيق هرمز، وما يتسرب من خلف أسوار “البيت الأبيض” من كواليس الصمت والارتباك، ليس مجرد أخبارٍ عابرة، بل هو فصلٌ جديد ومفصلي من فصول “سرقة القرن” التي نؤصل لها في أبحاثنا؛ حيث تتهاوى غطرسة القوة المادية أمام إرادة التدافع الكوني وسنن الله في خلقه التي لا تحابي أحداً.
أولاً: “البيت الأبيض” المشتعل.. حين يخشى الجنرالات “رئيسهم”
تبدأ مأساة المشهد المعاصر من داخل أروقة صناعة القرار في واشنطن، وتحديداً في غرف العمليات بالبنتاجون.

 لقد كشفت التقارير الاستخباراتية الرصينة عن واقعةٍ هي الأولى من نوعها في تاريخ الإمبراطورية الأمريكية الحديثة؛ حيث اضطر القادة العسكريون والجنرالات إلى إبعاد الرئيس دونالد ترامب عن “غرفة العمليات” خلال مهمة إنقاذ وإنزال حساسة في العمق الإيراني. هذا “العزل التقني” للرئيس لم يكن مجرد إجراء بروتوكولي، بل كان صرخة فزع من الدولة العميقة تجاه شخصية توصف بأنها “غرائزية” ومنفعلة، قد تدفع بالعالم نحو الهاوية بضغطة زر غير مدروسة.
إن هذا التخبط الداخلي، وفقدان الثقة بين “القائد الأعلى” وجيشه، يعكس حالة من الانكشاف الاستراتيجي؛ فرئيسٌ يُمنع من دخول غرفة عمليات جيشه هو رئيسٌ فقد بوصلة القيادة، وهو ما يفسر تناقض تصريحاته بين التهديد بمحو دول من الخارطة، وبين استجداء “هدنة” لا يحدد لها سقفاً زمنياً، في مشهدٍ أثار تهكم الخصوم قبل الحلفاء.
ثانياً: “صناديق الموت” الروسية.. كسر الهيمنة في باب المندب
فبينما كانت واشنطن تنكفئ على جراحها الداخلية، كانت “صناديق الموت” الروسية تشق طريقها سراً عبر مياه بحر العرب لتستقر في كهوف اليمن الوعرة. إن وصول منظومة صواريخ “ياخونت” (أونيكس) الروسية الفتاكة إلى يد جماعة الحوثي، عبر وسيط إيراني محترف، لم يكن مجرد صفقة سلاح عابرة، بل كان “زلزالاً” أطاح بكل نظريات التأمين البحري الأمريكي.
هذا السلاح “الفرط صوتي”، الذي يحلق على ارتفاع أمتار قليلة فوق سطح الموج، جعل من الرادارات الأمريكية المتطورة مجرد “شاشات صماء”. ولأول مرة في التاريخ العسكري، نرى فخر البحرية الأمريكية من حاملات طائرات ومدمرات بمليارات الدولارات، تولي الأدبار وتغير مسارها حول قارة أفريقيا عبر طريق “رأس الرجاء الصالح”، هرباً من “محرقة” محققة في باب المندب. إنها الهزيمة التي وقعت دون إطلاق رصاصة واحدة؛ هزيمة “الهيبة” التي هي أشد إيلاماً من هزيمة الميدان.
ثالثاً: المحور الراديكالي وكسر الأغلال الكورية
وفي زاوية أخرى من هذا المثلث المشتعل، برز “المجنون الكوري” كما يلقبه الإعلام الغربي، ليوجه ضربة أخرى لسياسة “الحصار الشامل” التي تفتخر بها إدارة ترامب. إن تحرك الجيوش الكورية الشمالية وتعهدها بكسر الحصار عن إيران، ومنح واشنطن مهلة زمنية للتراجع، قد نقل الصراع من “إقليمي” محصور في الشرق الأوسط إلى “كوني” عابر للقارات.
لقد تلاقت نيران طهران مع طموحات بيونج يانج، برعايةٍ تقنية من موسكو، لتصنع ما يمكن تسميته “كمين القرن” للغطرسة الأمريكية. 

إن هذا التشابك الدولي يثبت أن زمن “القطب الأوحد” قد ولى إلى غير رجعة، وأن الجشع الذي قاده ترامب تحت شعار “أمريكا أولاً” قد أدى في النهاية إلى أن تجد أمريكا نفسها “وحيدة” في مواجهة محاور صلبة لا تخشى لغة الوعيد.
رابعاً: الجشع الدولي وسنة التدافع.. رؤية تحليلية
إن ما أوردناه في كتابنا “سرقة القرن” حول طبيعة النفوس الدولية المجبولة على الجشع، يتجسد اليوم في أبشع صوره. فواشنطن لا تحارب من أجل قيم أو ديمقراطية، بل من أجل تأمين منابع النفط وطرق التجارة لضمان استمرار هيمنة “الدولار” المنهك. وفي المقابل، نجد أن القوى الصاعدة تستخدم الأوراق ذاتها؛ فتهديد “وداعاً للنفط” الذي أطلقه الحرس الثوري تجاه دول الخليج، واحتجاز السفن المرتبطة بإسرائيل في مضيق هرمز، هي أدوات في “حرب استنزاف” تدرك فيها الأطراف جميعاً أن الاقتصاد هو “عرق الحياة” الذي إذا قُطع، سقطت الإمبراطوريات.
الختام: وما رميت إذ رميت.. رؤية إيمانية
إننا، ومن فوق منبر “الأهرام” العريق، لا نقرأ المشهد بعيون السياسة فحسب، بل بعين البصيرة التي تؤمن بأن للكون خالقاً يدبره بسننٍ لا تتبدل. يقول الحق تبارك وتعالى في محكم التنزيل: “وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ”. وما نراه اليوم من تكسر النصال على النصال، ومن ارتباك أقوى قوة عسكرية في العالم أمام “صواريخ” في كهوف، إنما هو تجسيد حي لضعف الإنسان مهما طغى وتجبر.
إن غطرسة ترامب وجشعه الدولي الذي حاول من خلاله “سرقة” مقدرات الشعوب تحت غطاء “الصفقات”، يصطدم اليوم بقدر الله الذي يسلط الظالمين بعضهم على بعض. إن التاريخ سيسجل أن زمن “الاستعلاء الرقمي” قد انهار تحت أقدام “اليقين العسكري” للمحاور الصاعدة، وأن “دولة التلاوة” والتمسك بالقيم الروحية تظل هي الحصن الأخير في مواجهة مادية غربية بلغت من العتوِّ عتياً، حتى أصبحت تخشى من “ظلها” في غرف العمليات.
إن غداً لناظره قريب، والمستقبل لن يكون لمن يملك “البارودة” الأكبر، بل لمن يملك “الإرادة” الأصلب والضمير الذي لا يُباع في “مزادات القرن”.

شاركها.