قدم الشيخ بشير الفيضي تأملات حول قوله تعالى في سورة الزمر :{يَخْلُقُكُمْ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ خَلْقًا مِّن بَعْدِ خَلْقٍ فِي ظُلُمَاتٍ ثَلَاثٍ}.

قال ​إنّ المتأمل في آيات القرآن الكريم يجدها تفيض بالحقائق التي سبقت الكشوف العلمية بقرون طويلة. ومن أبلغ هذه الآيات قوله سبحانه وتعالى في سورة الزمر: {يَخْلُقُكُمْ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ خَلْقًا مِّن بَعْدِ خَلْقٍ فِي ظُلُمَاتٍ ثَلَاثٍ}. هذه الكلمات القليلة تلخص رحلة جنينية معقدة، تؤكد أن هذا الكتاب لا يمكن أن يكون إلا من لدن حكيم خبير.
​أولاً: “خلقاً من بعد خلق”.. أطوار وسلاسل
​لم يكن الإنسان يُخلق دفعة واحدة، بل يمر بسلسلة من التحولات العجيبة. يبدأ الخلق من النطفة التي تستقر في الرحم، لتتحول إلى علقة، ثم مضغة، ثم يبدأ تشكل الهيكل العظمي.

ولكن الإعجاز لا يقف عند الأعضاء الكبرى، بل يمتد إلى “التفاصيل الدقيقة” التي تميز كل إنسان عن غيره:
​البصمات الحيوية: أودع الله في كل إنسان خصائص فريدة، مثل بصمة البنان التي أشار إليها القرآن بقوله: {بَلَىٰ قَادِرِينَ عَلَىٰ أَن نُّسَوِيَ بَنَانَهُ}. فالبنان يحتوي على تضاريس دقيقة لا تتطابق بين شخصين في العالم أجمع.
​الشفرة الوراثية (DNA): وهي “البصمة الوراثية” التي تحمل أسرار الشخصية، وتظل شاهدة على هوية صاحبها حتى بعد آلاف السنين.
​إعجاز الدماغ: تشير الدراسات الحديثة إلى وجود نشاط عصبي في الدماغ يرتبط بالذاكرة الصورية؛ فعندما يسترجع الإنسان ذكرى معينة (كفعل إجرامي مثلاً)، تظهر إشارات في مراكز الدماغ يمكن رصدها، وهو ما يفتح آفاقاً لفهم قوله تعالى عن “ناصية كاذبة خاطئة”.
​ثانياً: لماذا السمع قبل البصر؟
​في مواضع شتى، يقدم القرآن “السمع” على “البصر”. وبالنظر إلى علم الأجنة، نجد أن جهاز السمع يتخلق وينضج قبل جهاز البصر. فالجنين يبدأ بسماع الأصوات الخارجية والتفاعل معها وهو لا يزال في رحم أمه، بينما لا تعمل حاسة الإبصار بوضوح إلا بعد الولادة، مما يثبت دقة الترتيب القرآني.
​ثالثاً: سر الظلمات الثلاث والحماية الإلهية
​يحدد القرآن مكان الخلق في “ظلمات ثلاث”، وقد اتفق العلم الحديث على أنها:
​ظلمة جدار البطن.
​ظلمة جدار الرحم.
​ظلمة الغشاء السَّلِي (الأمينوسي).
​داخل هذه الظلمات، يوجد “السائل الأمينوسي” (Amniotic Fluid) وهو مادة عجيبة لها فوائد لا تُحصى:
​امتصاص الصدمات: يعمل كوسادة هوائية تحمي الجنين من حركات الأم المفاجئة أو الضربات الخارجية.
​التوازن الحراري: يعمل كعازل يحفظ درجة حرارة الجنين ثابتة مهما تغيرت حرارة الجو الخارجي، لأن الجنين لا يحتمل التقلبات الحرارية.
​تسهيل الحركة والنمو: يمنع التصاق جلد الجنين بالأغشية المحيطة، مما يسمح لأطرافه بالنمو السليم.
​تيسير الولادة: عند اقتراب الموعد، يساعد هذا السائل في تهيئة طريق الخروج وتسهيل الانزلاق، تحقيقاً لقوله تعالى: {ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ}.
​خاتمة
​إن توافق هذه الإشارات القرآنية مع الحقائق الطبية الحديثة ليس مجرد صدفة، بل هو برهان ساطع على أن الخالق هو القائل. فسبحان من أحسن كل شيء خلقه، وبدأ خلق الإنسان من طين، ثم جعل نسله من سلالة من ماء مهين.
 

شاركها.