كشف تحقيق استقصائي حديث أجرته مجلة “دي كلاسيفايد” البريطانية عن تفاصيل مثيرة من يوميات السفيرة الإسرائيلية السابقة في لندن، تسيبي هوتوفيلي، تظهر شبكة معقدة من العلاقات مع مسؤولي أمن بريطانيين ولوبيات ضغط مؤيدة للاحتلال. وأوضح التحقيق أن السفارة الإسرائيلية تحولت إلى مركز عمليات للتنسيق مع رجال أعمال ومتبرعين بارزين لحزب العمال البريطاني، تزامناً مع استمرار حرب الإبادة في قطاع غزة.

وتشير الوثائق المسربة إلى أن هوتوفيلي، التي عُرفت بتصريحاتها التحريضية ضد الفلسطينيين، استغلت منصبها لترسيخ رواية الاحتلال داخل دوائر صنع القرار في المملكة المتحدة. وكانت السفيرة قد اقترحت علانية اعتبار المنشآت المدنية في غزة، بما في ذلك المدارس والمساجد، أهدافاً عسكرية مشروعة، وهو ما اعتبره مراقبون تحريضاً مباشراً على ارتكاب جرائم حرب.

وأظهرت اليوميات علاقة عمل وثيقة ومستمرة بين منظمات الضغط الإسرائيلية في بريطانيا والسفارة في لندن، رغم ادعاء مجموعات مثل “أصدقاء إسرائيل” في حزبي المحافظين والعمال عدم تلقي تمويل مباشر من تل أبيب. وكشفت السجلات عن عقد أربعة لقاءات على الأقل مع ستيوارت بولاك، المدير الفخري لمجموعة أصدقاء إسرائيل من حزب المحافظين، والذي يصف نفسه بالمدافع الشرس عن المصالح الإسرائيلية في مجلس اللوردات.

ولم تقتصر اللقاءات على الشخصيات البريطانية، بل شملت دبلوماسيين إسرائيليين رفيعي المستوى مثل يوسي عمراني، رئيس القسم الدبلوماسي بوزارة الخارجية، وميراف إيلون شاهار، نائبة مدير الشؤون الاستراتيجية. وتعكس هذه الاجتماعات، التي جرت في النصف الثاني من عام 2024، مستوى عالياً من التنسيق الدبلوماسي لضمان استمرار الدعم البريطاني للسياسات الإسرائيلية في المنطقة.

وفي سياق متصل، برز اسم جون بيرس، رئيس مجموعة أصدقاء إسرائيل في حزب العمال، واللورد جوناثان مندلسون كزوار دائمين لمقر إقامة السفيرة. وبررت المنظمة هذه اللقاءات بأنها تهدف لمناقشة قضايا إنسانية وإطلاق سراح المحتجزين، إلا أن توقيت وطبيعة هذه الاجتماعات أثارت تساؤلات حول مدى تأثير السفارة على مواقف قيادات حزب العمال الحاكم.

كما تضمنت اليوميات لقاءات مع لوك أكهيرست، عضو البرلمان عن حزب العمال والمدير السابق لمجموعة الضغط “نحن نؤمن بإسرائيل”. وجرت هذه اللقاءات على هامش مؤتمرات حزبية كبرى، مما يشير إلى تغلغل اللوبي المؤيد للاحتلال في الهياكل التنظيمية للأحزاب البريطانية الرئيسية وقدرته على الوصول المباشر لصناع القرار.

وأثار التحقيق مخاوف جدية بشأن قرب ممولي حزب العمال من الحكومة الإسرائيلية، حيث التقت هوتوفيلي بستيوارت رودن، الذي تبرع بأكثر من نصف مليون جنيه إسترليني للحزب قبل انتخابات 2024. رودن، الذي يرأس شركة رأس مال استثماري إسرائيلية، يُعد من المدافعين البارزين عن العمليات العسكرية الإسرائيلية، واصفاً إياها بأنها جزء من “صراع حضارات”.

وبحسب مصادر صحفية، فإن رودن يدير حوارات غير رسمية مع قيادة حزب العمال للتعبير عن آرائه في قضايا تهم الاحتلال. وتزامن ظهوره في يوميات السفيرة مع تولي حكومة كير ستارمر السلطة، مما يعزز الفرضيات حول وجود قنوات خلفية للتأثير على السياسة الخارجية البريطانية تجاه القضية الفلسطينية.

وامتد نشاط السفيرة ليشمل قطاع الأعمال والعقارات، حيث التقت بجوناثان جولدستين، رجل الأعمال الذي دعم حملات انتخابية لقيادات في حزب العمال. جولدستين، الذي شغل سابقاً رئاسة مجلس القيادة اليهودية، شارك في مسيرات مؤيدة للاحتلال ونسق بشكل مباشر مع وزراء إسرائيليين لتعزيز التعاون المشترك في ذروة العدوان على غزة.

وفي جانب اقتصادي حساس، كشف التحقيق عن اجتماع سري بين هوتوفيلي ومايكل دينيسون، رئيس قسم الاستشارات الدولية في شركة النفط البريطانية العملاقة BP. وجاء هذا اللقاء في نوفمبر 2023، بالتزامن مع إعلان وزارة الطاقة الإسرائيلية عن منح تراخيص جديدة لاستكشاف الغاز في البحر المتوسط، فاز بأحدها ائتلاف يضم شركة BP.

وانتقدت المقررة الخاصة للأمم المتحدة، فرانسيسكا ألبانيزي، تورط الشركات الخاصة مثل BP في ما وصفته بـ “اقتصاد الإبادة الجماعية”. وأشارت ألبانيزي إلى أن توسع الشركة في استكشاف المساحات البحرية الفلسطينية التي يستغلها الاحتلال بشكل غير قانوني يمثل مساهمة في ترسيخ الاحتلال والانتهاكات المستمرة بحق الشعب الفلسطيني.

ولم تغب الصناعات العسكرية عن جدول أعمال السفيرة، حيث التقت بممثلين عن شركة “رافائيل” الإسرائيلية المملوكة للدولة، وهي الشركة المسؤولة عن تصنيع صواريخ تستخدم في تدمير الأحياء السكنية في غزة. ويهدف هذا التنسيق إلى ضمان تدفق الإمدادات العسكرية والحفاظ على الشراكات التقنية مع قطاع الدفاع البريطاني.

وشملت قائمة الزوار أعضاء بارزين في مجلس اللوردات، مثل اللورد براون، الرئيس التنفيذي السابق لشركة BP، واللورد فيلدمان، رئيس حزب المحافظين السابق. وتظهر هذه اللقاءات، التي تخللها وجبات إفطار وغداء عمل، مدى الحميمية في العلاقة بين النخبة السياسية البريطانية والتمثيل الدبلوماسي للاحتلال.

وخلص التحقيق إلى أن هذه التحركات المنسقة تهدف إلى بناء جدار حماية سياسي واقتصادي لإسرائيل في بريطانيا لمواجهة الضغوط الدولية المتزايدة. وتؤكد الوثائق أن اللوبي الإسرائيلي يعمل بكد خلف الكواليس لضمان عدم حدوث أي تحول جوهري في الموقف البريطاني تجاه جرائم الإبادة الجماعية المرتكبة في قطاع غزة.

شاركها.