الإخوة الكرام،،،
قضية شعبنا تمر بمرحلة خطيرة تتداخل فيها الأزمات السياسية والاقتصادية وكذلك الأمنية معقدة جدا، وجاء مؤتمر حركة فتح لينعقد في وقت يحمل الكثير من التحديات، وأنتم اهلا لمواجهتها، لذا يقع على عاتقكم مسؤولية وطنية كبيرة تتجاوز الإطار التنظيمي إلى مستوى الوضع الفلسطيني العام.
انتم تدركون ما يواجهه شعبنا بالضفة الفلسطينية من تصاعد خطيرً على صعيد اعتداءات المستوطنين، الى جانب التوسع الفلسطيني المتزايد في الاستيطان، وتراجع واضح في القدرة الاقتصادية للسلطة الفلسطينية، و الأزمة المالية التي تمس بشكل مباشر قدرة الحكومة على الإيفاء بالتزاماتها الأساسية، بحيث أصبحت غير قادرة على توفير رواتب الموظفين واستمرارية الخدمات العامة.
كذلك، لا يمكن لأي نقاش وطني مسؤول أن يتجاوز ما تعرض له أهلنا في قطاع غزة من معاناة إنسانية ووطنية غير مسبوقة، بسبب حرب الإبادة التي شنتها دولة الاحتلال، وما نراه اليوم من انعكاس ذلك على الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية. إن غزة اليوم ليست مجرد ملف سياسي أو إنساني، بل تمثل اختبارًا حقيقيًا لقدرة نظامنا السياسي الفلسطيني بكل مكوناته على تحمل مسؤولياته الوطنية والأخلاقية تجاه شعبه.
لقد دفع أبناء شعبنا في غزة أثمانًا باهظة، وما زالوا يواجهون ظروفًا قاسية تمس تفاصيل حياتهم اليومية وكرامتهم الإنسانية ومستقبل أبنائهم،وبالرغم من ذلك يعقدون الأمل عليكم، أقصد على حركة فتح الذي تعرفوا عليها منذ واحد وستون عاما، الأمر الذي يتطلب من الجميع التفكير، ليس بموقعه بالحركة بل الأهم التفكير بموقع الحركة في قلوب شعبنا، وكم نحن قادرون على استعادة حاضنة فتح الشعبية، والبحث عن خطوات عملية تساعد على صمود هذا الشعب ، وإعادة بناء مقومات الحياة، والحفاظ على هذه الثروة البشرية كأحد مقومات القوة.
كذلك من الأهمية بمكان رؤية الطاقات الفلسطينية التي تعيش بالمهجر، ومازالت فلسطين تعيش بقلوبهم، وأنتم تعلمون أنهم يمتلكون الخبرات والكفاءات والإمكانات الاقتصادية والعلمية، والذين يمكن أن يشكلوا عنصر دعم حقيقي في مساعدة شعبهم على تجاوز هذه الأزمة، هؤلاء كانوا دائما سندا في زمن الثورة، واليوم تبرز الحاجة إلى إعادة تنظيم هذا الدور ضمن رؤية وطنية عملية تمكينهم من لعب دورا مهما بإخراج الوضع الفلسطيني من أزمته، ويساهموا في الإدارة والتعليم والصحة والدبلوماسية والإعلام.
أمام هذا الواقع، فإن أي نقاش داخل المؤتمر لا بد أن ينطلق من قراءة واقعية وهادئة، بعيدة عن الشعارات العامة التي لا يمكن تحويلها إلى سياسات قابلة للتنفيذ في ظل موازين القوى الحالية.
إن المطلوب اليوم مراجعة جادة وعملية تضع إجابات واضحة لأسئلة ملحّة، من بينها:
• كيف يمكن حماية شعبنا من تصاعد اعتداءات المستوطنين في ظل محدودية الأدوات المتاحة؟
• ما هي الخيارات الواقعية لمعالجة الأزمة المالية بدون ان يتحمل المواطن العبء الأكبر؟
• ما هو المطلوب من اجل إصلاح البنية الإدارية والمالية للسلطة بما يعزز الكفاءة والشفافية؟
• كيف نحافظ على السلطة الفلسطينية كمنجز في المرحلة القادمة في ظل انسداد أفق التسوية؟
• ما هو المطلوب لإعادة بناء الثقة بين الجمهور ومؤسسات الحركة والسلطة على أساس الأداء لا الخطاب؟
• كيف يمكننا ان نعزز صمود أهلنا في قطاع غزة، وأيضا إشراك الكفاءات الفلسطينية في الخارج ضمن مشروع وطني جالب، وليس ممارسات تجعلهم يستنكفون عن المساهمة؟
مهمتكم اليوم تقتضي الانتقال من إدارة الأزمة إلى محاولة ضبط مسارها وتقليل الخسائر، حتى ضمن حدود الواقع القائم، مع الحفاظ على الحد الأدنى من التماسك الاجتماعي والمؤسساتي، وأيضا حالة الازاحة السكانية التي يقوم بها الاحتلال، كي يفرغ قرانا ودفعهم نحو المدن.
أن تعزيز الوحدة الداخلية داخل حركة فتح، وتجديد أدواتها وأساليب عملها، تمثل عناصر أساسية في أي مسار إصلاحي داخلي يبقي الامل لدى شعبنا بان هذه الحركة الكبيرة قادرة على تجديد نفسهابشكل جدي.
شعبنا اليوم لا تهمه الشعارات الكبيرة بقدر ما يريد خطوات واقعية قابلة للتنفيذ، وقرارات تخفف من معاناته اليومية، والحفاظ على كرامته، ويريد أن يرى بأن مؤسستنا الوطنية ما زالت قادرة على مراجعة نفسها والاستجابة للتضحيات.
رسالتي هذه ليست انتقاصا، ولا تقليلا مما تبذله القيادة، بل محاولة صادقة لوضع الأمور في سياقها الحقيقي، بعيدًا عن المبالغة أو التهويل، وبما يساعد على اتخاذ قرارات أكثر واقعية وقابلة للتطبيق، تخدم صمود الناس وتخفف من معاناتهم قدر الإمكان.
أدعو الله أن يحفظ شعبنا،،،
ووفقكم لما فيه خيره وصموده.
د. محمد المصري
