منذ الإعلان عن الهدنة، بدا المشهد وكأن غزة قد طُويت من دفاتر الأخبار، وكأن الحرب التي شغلت العالم قد وضعت أوزارها، وأن المدينة التي أثقلت الضمير الإنساني استعادت أنفاسها أخيرًا .
انخفضت وتيرة التغطيات، تراجعت العناوين العاجلة، وتحولت بوصلة الاهتمام العالمي نحو ملفات أخرى؛ الاقتصاد، والتحالفات، وصراعات النفوذ، بينما انسحبت غزة بهدوء من واجهة المشهد… لا لأن معاناتها انتهت، بل لأن الكاميرات غادرتها.
لكن في غزة، لا شيء انتهى؛فالهدنة لم تكن بابًا للحياة كما ظن كثيرون، ولم تتحول إلى فسحة ترميم للناس وما فقدوه، بل بدت لدى كثير من الغزيين كمرحلة أخرى من الاستنزاف البطيء؛ أقل صخبًا إعلاميًا، وأكثر قسوة في تفاصيلها اليومية.

اليوم، يعيش الناس تحت سياسة تتحكم حتى بما يصل إلى موائدهم، لا تنوعٌ غذائيٌّ حقيقي، ولا استقرار ٌفي توفر الاحتياجات الأساسية، اللحوم بمعظمها مجمدة، والبيض أصبح ضيفًا نادرًا يكاد يُرى مرة كل شهر، والخضروات والفواكه محدودة الأنواع وبأسعار تتجاوز قدرة الناس المنهكين أصلًا، أما الطعام الصحي المتوازن، فقد تحول إلى رفاهية بعيدة المنال في واقع يبحث فيه الناس عن الحد الأدنى لا أكثر.

ولا تتوقف المعاناة عند الغذاء؛ فالملابس أصبحت باهظة بصورة تفوق قدرة كثير من العائلات، ومستلزمات التنظيف والأدوات المنزلية تكاد تكون مفقودة أو نادرة، حتى تفاصيل الحياة الصغيرة التي كانت تبدو بديهية، باتت اليوم عبئًا يوميًا يُضاف إلى قائمة طويلة من النقص والحرمان.

أما الأطفال، فكان لهم نصيبهم من الغياب أيضًا؛ فمنذ أكثر من عام ونصف، اختفت الألعاب من المشهد تقريبًا، وكأن حق الطفل في اللعب والفرح أصبح ترفًا لا مكان له وسط الحرب، جيل كامل كبر على أصوات الطائرات بدل أصوات الملاهي، وعلى مشاهد النزوح بدل ساحات اللعب.

وفي الحديث عن البناء، لم تعد القضية مرتبطة بإعادة إعمار مؤجلة أو مواد غير متوفرة فحسب؛ بل تجاوزت ذلك إلى غياب فكرة البيت نفسها، فقد استُبدلت الجدران بالخيام، والأسقف بأقمشة مهترئة لا تقي حرًا ولا بردًا، لتتحول الخيام من حل مؤقت إلى واقع طويل الأمد تسكنه العائلات قسرًا،
غير أن هذه الخيام لم تكن مأوى للناس وحدهم؛ بل أصبحت بيئة مفتوحة للقوارض والحشرات والزواحف، في ظروف صحية شديدة القسوة، ومع الاكتظاظ والرطوبة والحرارة وتقلبات الطقس، تفاقمت الأمراض الجلدية، والحساسيات، والالتهابات، ومشكلات الجهاز التنفسي، خاصة بين الأطفال وكبار السن.

لم تعد المأساة فقدان منزل من الإسمنت والحجارة فقط، بل فقدان الإحساس بالأمان، وبأبسط شروط السكن الإنساني.

وفي جانب آخر لا يقل خطورة، يقف التعليم متكئًا على إرهاقه، قطاع كامل يتراجع عامًا بعد عام، وطلبة يحاولون النجاة بأحلامهم وسط بيئة تعليمية مثقلة بالانقطاع والإنهاك والافتقار إلى أبسط المقومات،  وما يُفقد اليوم من تعليم، قد لا يُعوّض بسهولة غدًا.

أما أعداد الشهداء، فنعم… انخفضت مقارنة بالمراحل السابقة، لكن انخفاض الأرقام لا يعني انتهاء الوجع، فالموت ليس وحده ما يُحصى وحتى لو أنه لا زال يُحصى إلى الآن وكلّ يوم .
اليوم، بات مشهد الإخطارات قبل القصف جزءًا من الحياة اليومية؛ دقائق قليلة تُمنح للعائلات كي تغادر بيوتها قبل أن تُمحى من الوجود، يقف الناس بعيدًا يراقبون أعمارهم وهي تنهار أمامهم؛ غرفة بعد غرفة، ذكرى بعد ذكرى، وحلمًا بعد حلم، قد ينجو الجسد أحيانًا، لكن شيئًا آخر يُدفن تحت الركام: الطمأنينة، والذاكرة، والإحساس بالاستقرار.

لقد نجحت الهدنة في تهدئة الضجيج الإعلامي أكثر مما نجحت في إنهاء المعاناة، ونجحت في إقناع كثيرين أن الحرب انتهت، حتى إن أقرب الأصدقاء والزملاء ابتعدوا عن متابعة الأخبار الغزية ظنًا منهم أن الناس عادوا إلى حياتهم، لكن الحقيقة أن غزة لم تعد بعد.
هي فقط انتقلت من حرب تُرى على الشاشات إلى معاناة تُعاش بعيدًا عنها.

وغزة التي غابت عن نشرات الأخبار… لم تغب يومًا عن وجعها.

شاركها.