في مشهد يبدو أقرب إلى الخيال الهندسي منه إلى الواقع، لا تزال آلة “البجعة الفضية”، الميكانيكية تعمل بكامل دقتها داخل The Bowes Museum شمال إنجلترا، رغم مرور أكثر من 253 عاما على تصنيعها، ومن دون الاعتماد على أي محرك كهربائي أو نظام إلكتروني حديث.

وتُعد “البجعة الفضية”، واحدة من أشهر الآلات الميكانيكية الذاتية الحركة “الأوتوماتون”، في العالم، حيث صممها المخترع جون جوزيف ميرلين بالتعاون مع صائغ المجوهرات البريطاني جيمس كوكس عام 1773، وتعتمد حتى اليوم على نظام دقيق من النوابض والتروس الميكانيكية التي يتم لفها يدويا مرة واحدة يوميا للحفاظ على استمرار عملها، وفقاً لما ذكرته صحيفةmechanicalcurios.

متحف بوز

وبحسب سجلات متحف بوز، تقدم “البجعة الفضية”، عرضا ميكانيكيا متكاملا يستمر نحو 32 ثانية، يبدأ بعزف صندوق موسيقي، ثم تتحرك البجعة بانسيابية فوق قضبان زجاجية تحاكي تدفق المياه، قبل أن تنقض في النهاية لالتقاط سمكة فضية صغيرة، في مشهد ظل محفوظا كما هو منذ القرن الثامن عشر.

وتتكون الآلة بالكامل تقريبا من الفضة الخالصة، بينما يضم هيكلها الداخلي عشرات التروس المصنوعة من البرونز، والمقسمة إلى ثلاثة أنظمة مستقلة تتحكم في حركة العنق، وتشغيل الأسطوانات الزجاجية، وعزف الموسيقى بشكل متزامن.

أن استمرار عمل الآلة يعود إلى نظام صيانة دقيق يُطبق منذ عقود، إذ تُلف النوابض مرة واحدة يوميًا فقط، مع منع تشغيلها بشكل إضافي حفاظا على المكونات الأصلية المنحوتة يدويا.

متحف بوز

وعُرضت “البجعة الفضية”، للمرة الأولى داخل متحف ميكانيكي خاص في لندن أواخر القرن الثامن عشر، وسرعان ما تحولت إلى واحدة من أبرز عجائب الهندسة الأوروبية في ذلك العصر.

وكانت تكلفة مشاهدة العرض في ذلك الوقت تعادل أجر يوم كامل لعامل ماهر، ما جعلها مقصدا للأرستقراطيين والتجار والزوار الأجانب الراغبين في مشاهدة أحدث الابتكارات الميكانيكية.

الكاتب الأمريكي مارك توين

بعد تنقلها بين مقتنيات خاصة ودور مزادات في أوروبا، اشتراها الصناعي الإنجليزي جون باوز عام 1872، لتنضم لاحقًا بشكل دائم إلى مقتنيات متحف بوز.

وخلال معرض باريس العالمي عام 1867، شاهد الكاتب الأمريكي مارك توين “البجعة الفضية”، ووصفها لاحقة بأنها تمتلك “رشاقة حية في حركتها وذكاء حيا في عينيها”، وهي العبارة التي أصبحت من أشهر الأوصاف المرتبطة بالقطعة التاريخية.

وفي مارس 2024، انتهى متحف بوز من عملية ترميم دقيقة استمرت نحو 18 شهرا، شملت تفكيك أكثر من 600 قطعة ميكانيكية وتنظيفها وإعادة ضبطها يدويا، إلى جانب استبدال بعض النوابض التالفة بنسخ مطابقة صنعت خصيصا داخل ورش بريطانية متخصصة في تقنيات الساعات القديمة.

البجعة الفضية

كما استخدم فريق الترميم تقنيات تصوير مقطعي حديثة لإعادة ضبط دقة الحركة الميكانيكية، في مشروع وصفه خبراء التراث الصناعي بأنه من أكثر مشاريع ترميم الأوتوماتونات تعقيدا في أوروبا خلال السنوات الأخيرة.

أن “البجعة الفضية”، تمثل نموذجا نادرا لقدرة الهندسة التقليدية على الاستمرار لقرون، بفضل جودة المواد المستخدمة ودقة التصميم والصيانة المستمرة.

ولا تزال الآلة حتى اليوم تستقطب آلاف الزوار سنويًا، باعتبارها شاهدًا حيًا على عبقرية الهندسة الميكانيكية في أوروبا قبل الثورة الصناعية.

شاركها.