تُمثل رواية “غريزة الطير” للكاتب العراقي عبد الزهرة زكي نصاً روائياً يغوص في أعماق النفس البشرية والتحولات الفاجعة للمكان والزمان، وتتخذ من ثنائية “الحفظ والنسيان” ومحاولات السفر والاغتراب نافذةً لتقديم قراءة نقدية وتأملية فاحصة للواقع المأزوم، عبر سردية متماسكة لها حكاياتها، ورمزياتها، وشخصياتها، وأسلوبها الفني المتميز.
لا تنغلق الرواية على فضاء تسعينيات القرن الماضي الزمني الذي تدور فيه الأحداث المباشرة عقب حرب الخليج الثانية وانتفاضة العام 1991، بل إنها تؤسس لخراب الحاضر عبر العودة إلى الجذور العميقة للأزمة في عقدي السبعينيات والثمانينيات، بحيث يتراءى عقد السبعينيات في الخلفية بوصفه زمن البدايات وتشكل الوعي وبقايا ملامح المدينة الثقافية والاجتماعية قبل أن تلتهمها الأيديولوجيا، في حين يبرز عقد الثمانينيات كحقبة مفصلية طحنتها الحرب العراقية الإيرانية، حيث تحولت البصرة إلى خط مواجهة دائم وسُرقت حيوات جيل كامل تحت وطأة القصف والبارود، وهذا التتابع الزمني يمنح أحداث التسعينيات عمقاً تراجيدياً؛ إذ لا تبدو المعاناة وليدة لحظة الحصار الحالية، بل هي النتيجة الحتمية لمتوالية من الحروب والقمع بدأت من السبعينيات واستعرت في الثمانينيات لتصل إلى ذروة الاختناق والانهيار الكامل في تسعينيات القرن الماضي.
تتمحور الرواية حول حكاية رئيسة تُدعى “أنشوطة السفر وعقدة الملاذ الأخير”، وتتجلى من خلال رغبة الأكاديمي فوزي الخير الله (الشخصية المحورية) في الحصول على جواز سفر لمغادرة العراق نهائياً، بعدما سُحقت حياته بفقدان زوجته وجنينه. هذه الرغبة ليست مجرد بحث عادي عن الهجرة، بل هي إدانة رمزية لحياة تحولت إلى جحيم محكوم بطغيان الأسرار والخوف، لتعكس المحنة الكبرى أمام نافذة ضابط الجوازات الصراع الأبدي بين الفرد المقموع والسلطة القابضة على مصائر العباد.
وتتفرع من هذا المتن حكايات رديفة تُشكل فسيفساء الفجيعة، كحكاية “جاسم السماك والكلب”؛ مجنون المدينة الذي يُقتل لأنه أقسم أن كلباً جائعاً ترفع عن نهش جثث الضحايا ومات جائعاً، في مفارقة تؤكد أن الكلاب باتت أشد رحمة من البشر الأحياء بالبشر الموتى، فيما ينضم إلى هذا النسيج حكاية مقتل نهال وشقيقها فؤاد التي تلخص دموية القناص وآثار البارود العالقة بواجهات بيوت الأحياء القديمة، وحكاية السكران في شارع الوطن الذي يبيع آخر ما يملك لإنقاذ كلب من رصاص عشوائي مُجسداً بقايا شهامة مشوهة ومرحاً مأساوياً وسط مكان مقفر ومخيف، وأخيراً حكاية “أبو بدر” وعائلته التي يمثل اختفاؤها القسري علامة على تلاشي الطبقة الوسطى والرموز الاجتماعية للمدينة.
تتعدد الأبعاد الرمزية في النص لتكشف ما وراء المضامين المباشرة، فيأتي عنوان الرواية “غريزة الطير” ليحيل إلى حوار فلسفي بين الصديقين “آدم” و”فوزي”؛ حيث يرى آدم نفسه طيراً يطير في عوالمه الداخلية ويعود بحريّته محكوماً بغريزته، بينما يمثل فوزي الطير الذي كسرت أجنحته المدينة القائظة ويبحث عن الأقاصي خلف الحدود.
وفي هذا السياق، تكتسب “النافذة الزجاجية الضيقة” في دائرة الجوازات دلالة رمزية هائلة بوصفها الحد الفاصل بين السلطة التي تسجن نفسها في غرفة مكيفة، والمجتمع الذي يتلظى تحت شمس تموز الحارقة بانتظار هبة هواء باردة أو صك غفران يتيح له النجاة.
وتكتمل هذه الرمزية بتحول “مقبرة الحسن البصري في الزبير” إلى وطن بديل ومكان أكثر حياةً من البصرة ذاتها؛ ففيها يتنفس التاريخ وتتحرك الذاكرة الإنسانية مع رابعة العدوية وبدر شاكر السياب وابن سيرين، بينما تحتضر المدينة الحية خارج أسوارها في مفارقة فاجعة يتساوى فيها الموتى مع الأحياء، بل يصبح الموتى أكثر أماناً وتماسكاً من الأحياء المحاصرين بالخوف والبعوض، كما يسوق الكاتب رمزية سياسية بارعة من خلال تحطم “حي الجمهورية” البصري المنهار والمليء بالفقر وبسطات المواد التالفة، مقارناً إياه بوصف المؤرخ البريطاني لونكرك لعراق 1951 الواعد، ليكون التحول من حي المعقل الكلاسيكي إلى حطام حي الجمهورية كناية مكثفة تعبر عن تحطم “الجمهورية” كنظام حكم ودولة.
وتتحرك الشخصيات في الرواية كأطياف وأصوات تعكس مواقف فكرية ونفسية متباينة إزاء الواقع؛ فيبرز فوزي الخير الله (الراوي الأول) ليمثل الذات القلقة الحادة والفوضوية تاريخياً التي روضتها المصائب، وهو الأكاديمي الذي فقد معناه داخل الوطن بعد مقايضة براءته بصمته على مقتل زوجته “الغوغائية” (بحسب التسمية الحكومية)، فأصبح السفر رغبته الوجودية للتحرر من كوابيس المكان.
وفي المقابل، يقف صديقه آدم زيني (الراوي الثاني) المولود من أم بريطانية، ليمثل الاتزان والحكمة والانطواء واليأس التام من السياسة، معتصماً ببيته وسيارته الرولز رويس القديمة كشاهدين على زمن ملكي آفل وتاريخ يتلاشى، ممارساً “الكتابة الشخصية الحميمة” ضد فكرة النشر والشيوع.
أما نهال علي الحسون، فهي المرأة الاستثنائية الغائبة/الحاضرة، المترجمة والأكاديمية التي قُتلت وهي حامل في شهرها السابع، لتشكل مرجعية للنقاء الإنساني والحب الطاهر المبعوث عبر دفاتر الترجمة والقصائد المخفية تحت تراب مكتبها، فيما يأتي الملازم أول/النقيب قصي مزاحم تحسين، ابن الرفيق الحزبي القديم، ليمثل الجيل الجديد للسلطة؛ فبالرغم من بشاشته وميله لقراءة الأدب وشعر السياب، إلا أنه يتحرك ضمن الهيكل البيروقراطي والأمني ذاته الذي يملك سلطة المنع والمنح، مبرزاً كيف تتدخل العلاقات والصدف الشخصية في تيسير القوانين الصارمة.
تميزت الرواية بخصائص أسلوبية نأت بها عن التقريرية المباشرة؛ حيث اعتمدت على السرد المتبادل وتعدد الرواة عبر تناوب فوزي وآدم على رواية الأحداث، وهو ما يمنح الحكاية بعداً مرآتياً يضع القارئ أمام مستويين من الوعي الإنساني بالخراب ذاته، فالحدث الذي يرويه فوزي بقلق يُعيده آدم ببرود تأملي، كما احتمت الرواية بما وراء السرد (الميتاسرد) من خلال كتابتها على هيئة يوميات وتمارين وأوراق منقطعة تُناقش فعل الكتابة ذاتها كحوار داخلي ينغلق بمجرد التفكير بالنشر.
ويتجلى في النص تناص معرفي وفلسفي متقن، لم يتكئ على الأدب كحلية تجميلية، بل وظف فلسفة ديفيد هيوم التجريبية في ترابط الأفكار على أساس الأحاسيس، وأيقظ العقل من السبات الدوكمائي مع إيمانويل كانت، مستدعياً الهايكو الياباني لكوباياشي إيسا، وهذا الأداء السردي تدعمه الرمزية الدلالية للطقس والمناخ؛ فحضور قيظ تموز، والبعوض اللحوح، ورطوبة شط العرب الخانقة ليس مجرد ديكور مكاني، بل هو موازٍ موضوعي لحالة الاختناق السياسي والأمني والروحي للشخصيات.
تتأرجح القراءة التقويمية للرواية بين نقاط قوة بارزة وأخرى يمكن مؤاخذتها عليها؛ فما يحسب للرواية يكمن في عمقها الإنساني والتأملي وتفاديها فخ المباشرة السياسية الفجة، إذ ركزت على آثار التدمير داخل الوجدان البشري والعلاقات الإنسانية والكرامة الشخصية رغم إدانتها لنظام شمولي وفترة حصار قاسية، إضافة إلى براعتها في التقاط التفاصيل الصغيرة، من لطخة دم البعوضة على القميص الأبيض إلى الخط الملحّي الدائري المترسب في إناء الورد المجفف بمكتب نهال، ما يرتفع باليومي والمهمل إلى مصاف الرمزية العالية، فضلاً عن لغتها الشعرية المنضبطة ذات النفس المتزن والمحمل بالظلال الفلسفية والتاريخية.
وعلى الجانب الآخر، يؤخذ على الرواية بطؤها السردي وإفراطها في المونولوج الداخلي، لا سيما في حوارات المكتبة وزيارة المقبرة، حيث تميل إلى الاستغراق الطويل في التأمل الفلسفي على حساب التنامي الحركي للأحداث ما قد يبعث على الرتابة، كما يُؤخذ عليها أيضاً تشابه النبرة الصوتية للشخصيات؛ فرغم محاولة الكاتب إبراز الاختلاف بين حدة فوزي وهدوء آدم، إلا أن القارئ يشعر أحياناً بأن الشخصيتين تنطقان بنبرة صوتية ووعي لغوي وثقافي متطابق تماماً يمثل وعي المؤلف المثقف، ما أضعف قليلاً من التمايز الواقعي بين مستويات الحوار.
إن رواية “غريزة الطير” لعبد الزهرة زكي هي مرثية سردية متقنة لمدينة البصرة وتاريخها المستلب عبر عقود من التحولات السياسية والزمنية، ووثيقة روائية مبهرة تؤكد أن الطيور، وإن مُنعت من التحليق في الفضاءات الخارجية، تظل تمتلك غريزة أصيلة للتحليق داخل الفضاء الحر والأرحب للذاكرة والأرواح النظيفة.
