في السياسة، هناك لحظات تكون فيها الخيارات متعددة، وهناك لحظات أخرى تتحول فيها الوقائع إلى ما يشبه المسارات الإجبارية التي لا تستطيع القوى السياسية تجاهلها مهما امتلكت من رغبات أو شعارات أو حسابات خاصة. ويبدو أن القضية الفلسطينية، وقطاع غزة تحديدًا، يقفان اليوم أمام واحدة من تلك اللحظات التاريخية التي لم يعد فيها السؤال: ماذا نريد؟ بل ماذا نستطيع أن نفعل لمنع الأسوأ؟
تأتي لقاءات الفصائل الفلسطينية في القاهرة في وقت تتقاطع فيه عدة عوامل شديدة الخطورة. فإسرائيل لا تخفي رغبتها في توسيع مناطق سيطرتها داخل قطاع غزة، ولا تخفي سعيها لتحويل نتائج الحرب إلى وقائع دائمة، سواء على المستوى الجغرافي أو الديموغرافي أو السياسي. وفي الوقت ذاته، تدخل الساحة الإسرائيلية تدريجيًا في مناخ انتخابي لطالما كان الدم الفلسطيني أحد أهم أوراقه السياسية. لهذا فإن السؤال الحقيقي الذي يجب أن يواجه المجتمعين في القاهرة ليس من يحكم غزة، ولا أي فصيل يحتفظ بنفوذه، بل كيف يمكن منع إسرائيل من استكمال مشروعها القائم على استدامة الحرب وتحويل الكارثة الإنسانية إلى واقع سياسي دائم.
المشكلة أن جزءًا مهمًا من النقاش الفلسطيني ما زال يدور حول الأشخاص والأطر التنظيمية، بينما تتعامل إسرائيل مع المشهد باعتباره فرصة تاريخية لإعادة تشكيل الواقع الفلسطيني برمته. فكل يوم يمر دون وجود صيغة فلسطينية جديدة ومتوافق عليها يمنح الاحتلال وقتًا إضافيًا لترسيخ الوقائع التي يريدها.
ومن هنا يصبح الحديث عن البدائل أمرًا لا يمكن الهروب منه. فسواء تعلق الأمر بلجنة وطنية لإدارة غزة، أو حكومة تكنوقراط، أو دور متزايد للسلطة الفلسطينية، أو حتى بطرح أسماء وتيارات بعينها مثل تيار الإصلاح الديمقراطي، فإن القضية لا ينبغي أن تُقاس بمن يحب هذا الخيار أو يكرهه، بل بمدى قدرته على تحقيق ثلاثة أهداف مركزية: وقف الحرب، ومنع التهجير، وفتح الطريق أمام إعادة الإعمار.
إن جزءًا كبيرًا من الجدل الفلسطيني الحالي يدور حول الأشخاص، بينما يفترض أن يدور حول الخيارات السياسية المطلوبة. فليس المهم من يتولى المسؤولية بقدر أهمية السؤال: هل يمتلك هذا الخيار القدرة على نزع الذرائع التي تستخدمها إسرائيل لاستمرار الحرب؟
لقد تحولت حماس، سواء اتفقنا أو اختلفنا مع ذلك، إلى جزء أساسي من الخطاب الإسرائيلي المستخدم لتبرير استمرار العمليات العسكرية وتعطيل أي انتقال نحو ترتيبات سياسية جديدة. وهنا لا يتعلق الأمر بالعدالة أو الظلم في هذا التوصيف، بل بقراءة الواقع كما هو. فالسياسة لا تُبنى على النوايا، وإنما على النتائج.
وإذا كانت إسرائيل تعتبر بقاء الوضع القائم مصلحة استراتيجية لها، وإذا كانت ترفض الانتقال إلى مراحل جديدة من التسويات السياسية طالما بقيت الظروف الحالية كما هي، فإن السؤال الوطني يصبح: هل من الحكمة الإصرار على الحفاظ على المعادلات ذاتها التي توفر للاحتلال ذرائعه، أم أن المسؤولية الوطنية تقتضي البحث عن صيغ جديدة تسحب هذه الذرائع من يده؟
إن الخطر الأكبر الذي يواجه الفلسطينيين اليوم لا يتمثل فقط في الاحتلال، بل في الاعتقاد بأن ما قبل السابع من أكتوبر ما زال صالحًا لإدارة ما بعد السابع من أكتوبر. فالحرب غيّرت البيئة السياسية والإقليمية والدولية بصورة عميقة، وأنتجت وقائع جديدة تفرض على الجميع إعادة التفكير في أدواتهم وخياراتهم وأولوياتهم.
ولهذا فإن معيار النجاح في لقاءات القاهرة لا يجب أن يكون الحفاظ على توازنات الفصائل، بل القدرة على إنتاج رؤية وطنية جديدة تمنع إسرائيل من استثمار الانقسام الفلسطيني، وتعيد تعريف الأولويات انطلاقًا من الإنسان الفلسطيني الذي يدفع الثمن الأكبر كل يوم.
فالتاريخ لا يتذكر من احتفظ بموقعه التنظيمي، بل يتذكر من امتلك الشجاعة لتغيير المسار عندما كان استمرار المسار القديم يقود إلى الكارثة. واليوم، ربما يكون السؤال الأكثر أهمية أمام المجتمعين في القاهرة: هل ما زلنا نملك رفاهية رفض البدائل، أم أن حجم المأساة وصل إلى مرحلة تجعل المصلحة الوطنية تفرض على الجميع البحث عن أي مخرج واقعي قادر على وقف الحرب وإنقاذ ما يمكن إنقاذه؟الإجابة عن هذا السؤال هي التي ستحدد ليس فقط مستقبل غزة، بل مستقبل النظام السياسي الفلسطيني كله.
