بعد نشر بنود مذكرة التفاهم بين الولايات المتحدة وإيران يمكن القول إنها تُعبِر عن الفشل الأميركي في زحزحة إيران عن مواقفها السابقة المُعلنة، بل إن الأهم من ذلك هو أن العديد منها يُمثل انتصاراً لإيران، كونها مكاسب تم تثبيتها في المُذكرة بعد حرب كان هدفها تغيير النظام أو كسر إرادته وإخضاعه على أقل تقدير.
المُذكرة تقول صراحة في مادتها الثامنة إن إيران ستفاوض الولايات المتحدة فور توقيع المذكرة ولمدة ستين يوماً على مخزونها من اليورانيوم المُخصب، وعلى مسألة التخصيب، وإن اليورانيوم العالي التخصيب سيتم على الأقل خفض نسبته في موقعه وتحت إشراف وكالة الطاقة الذرية، وإن إيران تتعهد بعدم تصنيع أو اكتساب سلاح نووي.
أليس هذا ما كانت تفاوض إيران عليه في عُمان عندما بدأت الحرب الإسرائيلية الأميركية في حزيران العام الماضي، أو لم يكن هناك تفاوض على هذه المسألة في جنيف عندما بدأت الحرب الثانية في نهاية شباط هذا العام؟ أو لم تعلن إيران مراراً أنها لا ترغب ولا تريد سلاحاً نووياً؟.
لا جديد هنا يُمكن للولايات المُتحدة الادعاء من خلاله أن الحرب أجبرت إيران ولو قليلاً على تغيير مواقفها السابقة.
على العكس تماماً، إيران حققت الكثير من المكاسب الفورية والمكاسب القريبة أو المتوسطة المدى.
المكاسب الفورية تتعلق بالسماح لإيران بتصدير نفطها ومنتجاتها البتروكيماوية ومشتقاتهما (المادة العاشرة) حتى رفع العقوبات الأميركية (وهذه الأخيرة مرتبطة بالاتفاق على الملف النووي).
بمعنى، إيران التي كانت تُصدر نفطها بالتهريب وبسعر بَخس، ستقوم الآن بتصديره بسعر السوق ودونما حاجة لتهريبه كما كانت تفعل سابقاً، وستقوم بذلك إلى حين الوصول إلى اتفاق نهائي مع الولايات المتحدة.
هنالك أيضاً مسألة إدارة مضيق هرمز (المادة الخامسة)، وهي تنص على أن إيران لن تحصل على رسوم عبور خلال مدة الستين يوماً من المفاوضات، لكنها في نفس الوقت تنص على أن إيران وسلطنة عمان ستجريان محادثات لتحديد كيفية إدارة المضيق والخدمات التي سيتم تقديمها، وهذه الخدمات لن تكون مجانية ولكن بمقابل مالي.
إن وجود نص حول ذلك في المُذكرة يعطي إيران فرصة لتحويل مسألة إدارة المضيق وخدماته البحرية إلى واقع فعلي، هو انتصار كبير لإيران لأن هذا المضيق كان أصلاً مفتوحاً ولم تكن هنالك مُشكلة فيه توجب التدخل العسكري، لكن هذا التدخل هو ما أعطى إيران الفرصة لاعتباره جزءا من مياهها ومياه عُمان الإقليمية.
ومن المكاسب الفورية أيضاً ما تقوله المادتان الأولى والرابعة حول وقف العمليات العسكرية بشكل نهائي وعلى جميع الجبهات (لبنان مذكور مرتين في المذكرة)، والتعهد بعدم العودة للعمل العسكري أو التهديد به، وبأن الولايات المتحدة ستسحب قواتها العسكرية من المنطقة المُحيطة بإيران.
ومن المكاسب الأخرى لإيران في المدى القريب أو المتوسط ما ورد فيما تبقى من بنود بشأن رفع العقوبات بجميع أنواعها والإفراج عن أموالها المُجمدة ووضعها في تصرف البنك المركزي الإيراني، وخطة إعمار بقيمة 300 مليار دولار وجميعها تُنفذ بالتزامن مع تحقيق اختراقات في المفاوضات على ملف النووي.
بعض المعلومات تقول إن النص هنا لا يُعبر عن حقيقة ما جرى الاتفاق عليه بشأن الأموال المُجمدة، حيث ستحصل إيران (ربما من دولة ثالثة) على 12 مليار دولار فور توقيع هذه المُذكرة وعلى 12 أخرى بعد ثلاثين يوماً. لكن حتى لو افترضنا أن هذه المعلومة غير دقيقة، فإن ما ورد في الاتفاق هو مكسب لإيران.
السؤال المحوري هنا هو: لماذا قدمت الولايات المتحدة كل هذه التنازلات لإيران مقابل فتح مضيق كان مفتوحاً أصلاً، والعودة للتفاوض على ملف كان يجري التفاوض عليه قبل الحرب؟
الإجابة المُختصرة هي أن نتنياهو وَرط ترامب في حرب كان قد أوهَمه بأنها لن تستمر سوى بضعة أيام، خلالها سيسقط النظام الإيراني، وسيسجل ترامب في سيرته الذاتية أنه هو من أسقط هذا النظام أو «عدل» سلوكه كما فعل في فنزويلا، وأنه فعل ذلك بكلفة منخفضة جداً.
نتنياهو كان يعلم أن الحرب لن تكون مُجرد بضعة أيام، لكنه كان يعتقد أنه إذا ما تمكن من توريط ترامب فيها، فإنه لن يقبل بالخروج منها إلا منتصراً حتى لو أدى ذلك إلى أشهر من القصف الجوي والى تدمير إيران بالكامل.
ترامب أدرك الورطة التي وقع فيها من الأسبوع الأول، وكما توقع نتنياهو، استمر ترامب بالحرب لمدة 39 يوماً لعله يُجبر إيران على الاستسلام، لكن ذلك لم يحدث.
خيارات ترامب كانت بين التصعيد بالذهاب لقصف البنى التحتية في إيران من محطات طاقة ومياه وكهرباء ومصانع وربما جامعات ومستشفيات (الطريقة الإسرائيلية في الحرب) أو البحث عن مخرج من هذه الحرب.
مشكلة الخيار الأول ليس في كُلفته على إيران، ولكن في كلفته على الولايات المتحدة وعلى دول الخليج العربي، فقد كانت إيران تهدد بأن استهداف بناها التحتية يعني أنها سَتستهدف ليس فقط إسرائيل ولكن البنى التحتية في دول الجوار تحت مسمى أن بها جميعاً جميعاً استثمارات أميركية. كما أن هذا الخيار لا يستطيع إجبار نظام عقائدي على الاستسلام ولا يستطيع فتح مضيق هرمز، وهو ما سيجعل الحرب تمتد ليس فقط لأشهر ولكن ربما لسنوات كما حدث في العراق وأفغانستان، مع كل ما يعنيه ذلك على الاقتصاد الأميركي والعالمي.
الخيار الأفضل لترامب كان في البحث عن مخرج من الحرب، ومذكرة التفاهم هذه هي هذا المخرج.
هي السُلَّم الذي سمح لأميركا بالنزول عن الشجرة. والمفاوضات التي جرت منذ وقف إطلاق النار في الثامن من نيسان الماضي كانت بهدف تحسين شروط الخروج من هذه الحرب، حتى لا يقال إنه خسرها.
لكن النسخة النهائية من هذا الاتفاق تَفضح أي ادعاء بأن ترامب قد تمكن من تحقيق أي هدف من أهدافه في هذه الحرب، وأن جميع ما في المُذكرة من بنود هي إما مكاسب فورية لإيران، أو مكاسب مؤجلة بانتظار الاتفاق على مشروعها النووي.
تقديري أن الاتفاق لن يُنَفذ في القضايا المرتبطة بالملف النووي، لأن ترامب وقَع المُذكرة لا بهدف الوصول إلى تسوية نهائية بالضرورة، ولكن بهدف إيجاد مخرج له من الحرب.
ستحصل إيران على المكاسب الفورية، وستعزز موقعها في المضيق، لكن ترامب قد يعود خلال المفاوضات إلى مواقفه المتشددة، مثل اشتراط صفر تخصيب لليورانيوم، وهو ما سيجعل التوصل إلى اتفاق نهائي أمراً شبه مستحيل، وهو ما سيؤدي إلى استمرار العقوبات على إيران.
بمعنى آخر، إن المكاسب المتوقعة من الاتفاق على المدى القريب والمتوسط لن تتحقق على الأغلب.
الدرس العربي الأهم من هذه الحرب، هو أن القوة الأميركية ليست قدراً لا يُرَد، وأن واشنطن حين تواجه كلفة استراتيجية عالية تبحث عن المخارج لا عن الانتصارات المطلقة.

شاركها.