موجعة الأخبار التي تصل من غزة كل ساعة، وليس كل يوم، فكل ساعة تجد خبراً مفزعاً عن جريمة جديدة يرتكبها الاحتلال المسيطر على القطاع فعلياً، لكن هذه الجرائم ترتكب بكل هدوء وصمت، وتمر مروراً سريعاً في الأخبار وكأن موت الإنسان في غزة قد أصبح خبراً لا يستحق التوقف عنده مقارنة بأخبار عالمية أخرى حتى لو كانت أخبار مونديال كأس العالم لهذا العام، لذلك فأنت تقرأ الخبر الموجع وتسمع صوت النحيب والبكاء، وترى الدموع التي تنهمر من العيون وتصم أذنيك صرخات اللوعة والحسرة وأنت لا تملك شيئاً وأنت أيضاً تكتشف أن الخبر قد انتهى، فقد اكتفى من قام بنقله بكتابة سطرين موجزين لكنهما في الحقيقة اختصار لمأساة.
تكتشف أن الوجع لا يؤلم إلا صاحبه فعلاً، فحين ترى صورة تلك الأم الملتاعة التي تبكي طفلتها الوحيدة التي جاءت إلى الحياة بعد تعب ومشقة لأنها انتظرتها ست سنوات وبعد علاج مضنٍ ومكلف جاءت الطفلة «نور» لكي تسعد والديها لكن الموت كان متربصا بها حين قتلها الرصاص الطائش وهي في الخيمة مع والديها في مدينة غزة، ولكي تبقى الحسرة في قلب الأم لأنها كما تقول لم يعد لديها العمر ولا المال ولا الصحة لكي تسعى لانجاب طفلة أخرى.
هذا هو الوجع اليومي الصامت الذي لا يتحدث عنه أحد وأنت تتعجب فعلاً من كمية وجع الأمهات المكلومات وتتذكر مثلا شعبياً لجدتك أن فلان مثل «ابن العازة» وهو الطفل الذي تشقى الأم حتى تنجبه فتسعى بين الأطباء والمشعوذين وتبتلع الأدوية وتجرب الوصفات الشعبية وحين تحمل به فهي تحمله كما يقولون أيضا «كل شبر بنذر» لكنها تحمله في رحمها يوما بعد يوم في خوف وترقب وتوجس من ألا يكتمل الحلم حتى إذا ما جاء إلى الحياة فهو يصبح فعلا «ابن العازة» كما يوصف لأنه يمرض كثيراً ويتعثر كثيراً فيقع ويصاب ويكسر ذراعه أو توضع جبيرة في ساقه وقد يموت على يد البطش الوحشي كما حدث ويحدث دائما لأن لوعة الأمهات ولسان حالهن بأنه الابن الوحيد.
لو فتشت في كل خيمة في غزة فسوف تجد قصة موجعة، لكن هذه القصص لا يقف أمامها العالم وقد يعلق البعض على أنها من نتائج الحروب أو أن أصحابها ضحايا لهذه الحروب، ولا يدركون أن حياة قد توقفت وأن أحلاماً قد هدمت وأن إنساناً كان قوياً ومنتجاً قد أصبح عالة على الآخرين وبحاجة لمن يساعده لكي يقضي أقل متطلباته الشخصية، وذلك مثلما رأينا في مناشدة لأب فقد عينيه الاثنتين في قصف جائر وأصبح أطفاله الصغار هم من يسحبون يده لكي يدلوه على الطريق أو يساعدوه في تناول طعامه وإصلاح ملابسه مع أنه من الطبيعي أن يحدث العكس، ولكن لا أحد يمكنه تخيل الألم النفسي الذي يعيشه هذا الأب أمام عجزه وتبدل الأدوار الذي بات عليه.
الموت الصامت في غزة هو التعبير الموجز عن حال بلا حل وواقع بلا نهاية ومعاناة بلا توقف، لأن الحرب لم تتوقف فعلياً، فهناك الموت الفردي اليومي، فهناك الرافعات العسكرية المتحركة على الحدود الشرقية والشمالية للقطاع التي تطلق النار العشوائية ومن مسافات بعيدة تقارب الثلاثة كيلومترات مثل بعدها من منطقة حي التفاح إلى شارع الثورة وسط مدينة غزة لكنها قتلت رجلا أربعينيا جالسا في مقهى، وقتلت قبل ذلك أطفالاً وأصابت آخرين بعاهات وحولت أصحاء إلى عجزة ومبتوري الأطراف.
لا تتحدث عن حرب قد توقفت وأنت ترى أكثر من ثلثي سكان القطاع يقبعون في الخيام، وهناك الحشرات والقوارض بكل أصنافها وأنواعها وهي تعتاش على لحمهم وجلدهم وتصل إلى عظامهم، والجوع والمرض والفقر وانعدام الخصوصية والأوجاع النفسية تفتك بالكبير والصغير ولا تترك أي منفذ للحياة أو حتى طاقة أمل أو بارقة نجاة، فالحياة هناك مقفلة بكل معنى الكلمة ولا ينجو منها إلا قلة ولا يبقى فيها إلا الميت الحي