كان عنوانًا لإحدى روايات الروائي السوري الكبير حنا مينا “نهاية رجل شجاع”.. وقد تحولت الرواية إلى واحد من أفضل أعمال الدراما العربية في تسعينات القرن الماضي. كثيرون كتبوا نهاياتهم ببطولة، وكثيرون أيضًا لم يغادروا قبل أن يكتبوا أسوأ النهايات. وما بين من رحلوا مكللين بالغار ومن غادروا مكللين بالعار، فارق هائل في حركة التاريخ. نتنياهو واحد من اثنين، يغادر حاملًا وصم قيامه بإبادة جماعية إلى جانب رفيقه هتلر، وإن غادر الأخير منتحرًا في قبوه، انتحر نتنياهو سياسيًّا لأن أوهامه كانت أكبر من ممكناته.

نتنياهو ليس كعنوان رواية حنا مينا.. فمن تابع مسيرته يدرك أنه كان رجلًا تعوزه الشجاعة، فقد أدار إسرائيل بالمؤامرات التي لم يكف عن نسج خيوطها قبل أن تلتف هذه الخيوط حول رقبته لتكون نفسها من سيتكفل بإعدامه. هكذا يجسد التاريخ مكره، بلا شك أنه الرجل الأكثر ذكاء ودهاء ممن مروا على إسرائيل، لكنه ذهب بعيدًا بغرور القوة، معتقدًا أنه يوليوس قيصر أو ونستون تشرشل، وأنه يمكن أن يدير الكرة الأرضية حين استولى للحظة على عقل رئيس أميركي بسيط، قبل أن ينقلب السحر على الساحر.

بالرغم من ذكائه الحاد منذ طفولته، لكنه ارتكب في عقوده الأخيرة خطأين استراتيجيين تكفلا بالقضاء عليه، بعد أن كان ملك إسرائيل كما أراد أن يتوج. يقف الآن المعلق شاي غولدن في مشهد ساخر في استوديو القناة الرابعة عشرة الإسرائيلية، مصفقًا لنتنياهو لأنه فعل بإسرائيل ما فعله لها من انكماش لحجمها الطبيعي بعد خيالات رئيس الوزراء الذي كتبها منذ ثلث قرن في كتابه “مكان بين الأمم” لشرق أوسط يعاد هندسته وفقًا للقوة الإسرائيلية الطاغية، قبل أن يدرك حدود هذه القوة، وأن ممكنات قوته خارجية وليست داخلية، وهذا يتنافى مع الطموحات الكبرى التي يحملها.

الخطأ الأول حين أراد هندسة الواقع الفلسطيني من خلال خطته بإبقاء حركة حماس المقاتلة حاكمًا لقطاع غزة، وتوفير ممكنات الدعم المالي، بهدف قطع الطريق على الحل السياسي وتوفير مبرر لإسدال الستار على المفاوضات. فقد قال ذات مرة في جلسة لمركز حزب اليكود: “إن من يريد منع إقامة دولة فلسطينية عليه أن يؤيد بقاء حكم حماس في قطاع غزة” ليجيء رجل مثل يحيى السنوار ويضع حدًا لهذه اللعبة، فيحرق أصابع نتنياهو التي تحيك المؤامرة وينهي حقبة من أكثر الحقب عبثًا، حين يقلب الطاولة على حماس ونتنياهو ويحكم عليهما بالرحيل، الأولى شهيدة والثاني كأبرز مجرمي التاريخ.

الخطأ الاستراتيجي الثاني، حين أراد الذهاب أبعد نحو هندسة الإقليم، بعد أن بلغ وهم القوة ذروته، واعتقاده بأنه الوحيد الذي بات يرتب عقل الرئيس الأميركي كما يرتب شعره، وأنه يمتلك كل ممكنات الإطاحة بنظام إيران، وترسيم نفسه ودولته كقوة عظمى حين يُنصِّب نظامًا يختاره هو كما كانت الخطة التي عرضها على ترمب، وبذلك يتحكم بمضيق هرمز وممرات الطاقة ليسيطر ويتحكم بذلك باقتصاد العالم، عدا عن الهيمنة على الإقليم والتسيد على دول المنطقة بعد أن يكون قد حطم القوة الأولى المنافسة ونظامها في طهران. 

لقد لخص نتنياهو نظريته بالقول إن دول المنطقة تطبع مع إسرائيل، ليس بسبب رغبتها بالسلام بل بسبب القوة التي تخشاها، وليس بالضرورة أن يقوم بالحل مع الفلسطينيين ليأتي العرب إلى إسرائيل، وتلك تحولت لنظرية في النقاش العام في إسرائيل الآن يشاهد بنفسه حدود القوة وإعادة ضبط الإقليم ومفاوضات دون أن يسمح له بالمشاركة فيها، بل تشكو إسرائيل أنها لا تعلم شيئًا عما يدور، بل وتخشى صدور قرار انسحاب من لبنان.. هذا لم يحلم به في أسوأ كوابيسه. 

خلال سنوات ماضية، كان يبدو أن نتنياهو على وشك النهاية في محطات كثيرة، كان يوشك على المغادرة لكنه كان أكثر مكرًا، وكان من المبكر تأبينه سابقًا لكن هذه المرة يمكن القول بثقة أنه انتهى أسوأ النهايات، التي لم يكن يتوقعها الرجل الذي يريد دخول التاريخ وهندسة المنطقة والتحكم بالعالم وشرايين اقتصاده على النمط الإبيستني من جديد، قبل أن يكتشف أن التاريخ أكبر كثيرًا من نزواته وهو يجلس مراقبًا حركة السياسة دون أن يسمح له بالتدخل، فالكتابه عن الأحلام سهلة لكن تحقيقها للواهمين ليس كذلك، حين يلقي بهم لأسوأ النهايات.. فالتاريخ لا يعبث مع الوهم، ولن يذكره سوى بالذي ارتكب إبادة جماعية، فقد نسي التاريخ كثيرًا من قادة العالم لكن ظل هتلر اسمًا ليجسد ذروة الوحشية، الآن ينضم له نتنياهو منتحرًا بأوهامه.          

شاركها.