قبل أن يكون المثقف منحازاً لتيار أو فكرة أو مشروع سياسي، ينبغي أن يكون منحازاً للإنسان. فالقيمة الأخلاقية لأي فكر أو موقف لا تُقاس بمدى قدرته على الدفاع عن الشعارات، بل بمدى قدرته على حماية الإنسان وصون كرامته والوقوف إلى جانبه في لحظات ضعفه وانكساره.
وفي أزمنة الحروب والكوارث الكبرى، يصبح هذا الانحياز أكثر إلحاحاً؛ إذ تتراجع الاعتبارات السياسية أمام حقيقة أكثر جوهرية تتمثل في الإنسان الذي يجوع، ويفقد أبناءه، ويُشرّد من بيته، ويعيش تحت وطأة الخوف والموت اليومي. ففي مثل هذه الظروف، لا ينبغي أن يكون السؤال الأول: إلى أي جهة ينتمي المتألم؟ أو ما هي الدلالات السياسية لغضبه؟ بل كيف يمكن إنصافه، والاستماع إلى صوته، والتخفيف من معاناته.
إن واجب كل مفكر ومثقف ومناصر ومتعاطف مع القضية الفلسطينية لا يقتصر على الدفاع عن الرواية أو مواجهة الخصم، بل يمتد أيضاً إلى الدفاع عن الناس أنفسهم، لأن الشعوب ليست مجرد أدوات في الصراع، وإنما هي غاية النضال وموضوعه وشرعيته في آن واحد. وحين يصبح الإنسان مجرد تفصيل ثانوي أمام الحسابات السياسية، فإننا نكون قد فقدنا البوصلة الأخلاقية التي تمنح نضالنا معناه الإنساني.
من هذا المنطلق، يصبح من الضروري النظر إلى ما يجري اليوم في غزة من زاوية إنسانية أولاً، قبل أي اعتبار آخر، لأن الألم الإنساني لا ينبغي أن يخضع للاصطفافات، ولا أن يُقاس بمعايير الولاء والانقسام. فحين يصبح الألم محل شك، نكون أمام أزمة أخلاقية لا تقل خطورة عن المأساة نفسها.
ففي الحروب والكوارث الكبرى، يُفترض أن يكون الألم هو الحقيقة الوحيدة التي لا تحتاج إلى إثبات، وأن يكون الجوع والدموع والفقدان لغة إنسانية يفهمها الجميع دون تأويل أو تشكيك. غير أن ما نعيشه اليوم في غزة يبدو مختلفاً؛ فحتى الألم لم يعد بمنأى عن الجدل، ولم تعد صرخات الجائعين والمكلومين تُسمع بوصفها تعبيراً طبيعياً عن المعاناة، بل باتت تُخضع أحياناً لمحاكمات سياسية وتنظيمية، ويُسأل أصحابها عن النوايا قبل أن يُسأل عن أسباب أوجاعهم.
في غزة، حيث يتقاطع الموت مع الجوع، والنزوح مع فقدان الأمل، وحيث يعيش الناس على مدار عامين ونيف تحت وطأة ظروف تكاد تكون غير قابلة للاحتمال، يبدو من الطبيعي أن يرتفع صوت الغضب، وأن يسعى الناس إلى التعبير عن وجعهم ورفضهم للواقع الكارثي الذي يعيشونه. فالمجتمعات التي تتعرض لمثل هذا القدر من الاستنزاف لا تصمت، بل تحتج وتصرخ وتبحث عن أي وسيلة للدفاع عن حقها في الحياة.
لكن المقلق أن بعض الأصوات لم تنشغل بمحاولة فهم أسباب هذا الغضب أو الإصغاء إلى رسائل الناس، بقدر ما انشغلت بالتشكيك في الحراك ذاته، واتهام القائمين عليه، وربطه بالمؤامرات أو باعتباره موجهاً ضد المقاومة. وكأن الفلسطيني في غزة بات مطالباً، قبل أن يعبّر عن ألمه، أن يثبت براءته السياسية، وأن يقدم شهادة تؤكد أن جوعه ليس مسيساً، وأن صرخته لا تخدم أجندة ما.
إن الدفاع عن حق الناس في التعبير عن معاناتهم لا يتناقض مع دعم حق الشعب الفلسطيني في مقاومة الاحتلال، بل إن حماية المجتمع وصون كرامة الإنسان والاستماع إلى نبض الناس هي إحدى ركائز أي مشروع وطني حقيقي. فالشعوب لا تستطيع الصمود إلى ما لا نهاية إذا شعرت أن آلامها غير مرئية، أو أن معاناتها تُقابل بالتشكيك أو التخوين.
إن الاحتلال الإسرائيلي يبقى المسؤول الأول عن المأساة التي يعيشها قطاع غزة، فهو من فرض الحرب والحصار والتجويع والدمار. لكن هذه الحقيقة لا ينبغي أن تحجب حقيقة أخرى لا تقل أهمية، وهي أن الناس الذين يعيشون هذه المأساة يمتلكون الحق الكامل في الغضب، وفي الاحتجاج، وفي المطالبة بحماية حياتهم وكرامتهم ومستقبل أبنائهم.
حين يصبح الألم محل شك، لا تكون المشكلة في الناس الذين يصرخون، بل في قدرتنا نحن على الإصغاء. فالجائع لا يتآمر، والمكلوم لا يخطط، والمنهك من الموت اليومي لا يبحث إلا عن مساحة للحياة. وما تحتاجه غزة اليوم ليس مزيداً من التخوين، بل مزيداً من التعاطف، والإصغاء، والاعتراف بأن الألم، أياً كان مصدره، يبقى حقيقة إنسانية لا يجوز التشكيك بها.
