لم يكن نتنياهو بصدد توقيع أي اتفاق ينسحب فيه من لبنان أو من مناطق، على الأقل على أبواب الانتخابات التي ستقوم دعايته فيها على السيطرة على الأراضي، وأن إسرائيل لن تتوقف قبل تجريد «حزب الله» من السلاح وأن الأراضي التي احتلتها ستظل تحت سيطرتها ولن تنسحب منها، لقد فقد كل هذا مع مطلع جولة انتخابية فقط لإدراكه أنه أصبح مجرد هامش صغير في لعبة الشرق الأوسط الكبير بعد أن اعتقد أنه المركز.
الحوار الحقيقي بين واشنطن وطهران في سويسرا وليس بين بيروت وتل أبيب، والقوة الحقيقية هي «حزب الله» وليس الدولة اللبنانية. لكن نتنياهو يدرك أن الرئيس الأميركي الذي يتنفس صعداء هواء منتجع بورغنشتوك العليل في سويسرا لن يقبل بأن يعود للحرب بأي شكل، فالأمر هذه المرة يتعلق بانتخابات الكونغرس النصفية التي تهدد أغلبيته وانفراده بالقرار، وأن ايران لأسباب أخلاقية لن تقبل بإنهاء الحرب مع بقاء الجيش الإسرائيلي في الأراضي اللبنانية فقد دخل لبنان أو «حزب الله» الحرب مسانداً لها في الأول من آذار الماضي أي في اليوم الثاني للحرب، فكيف يمكن أن تنتهي الحرب وتبقى النتائج التي حدثت للجنوب اللبناني بسببها.
هنا المأزق الذي كانت تناقشه إسرائيل في الأيام الأخيرة متوقعة الأسوأ عندما يصدر قرار واشنطن بسحب الجيش الإسرائيلي من كل أو بعض لبنان. وما بين رغبة إسرائيل والتشكيك بقدرتها على الوقوف في وجه رئيس تسببت له بمأزق كبير ويتصرف بشكل غاضب دافعاً صديقه القديم نحو الهامش، وما بين رغبة دولة تعتبر التوقف عند هذه اللحظة مساساً بالأمن القومي والقدرة الردعية التي عاشت عليها خاصة بعد عودة «حزب الله» بمسيّراته وما نتج عنها من تغيير الخطاب لجهة رفضه نزع السلاح، وبين قدرتها على الوقوف في وجه ترامب والقول، «لا» لرئيس بات مستعداً لتحطيم كل شيء من أجل نفسه كان يتجسد الاتفاق كمخرج شديد الهشاشة والانكشاف.
لم يتح لإسرائيل هذه المرة أن تساوم على سحب جيشها من بعض مناطق لبنان كما كل مرة. ففي أحداث سابقة أو كعادتها الابتزازية «ربما كانت مساومة في مكان آخر كغزة» بل كانت تبحث عن مخرج تستجيب فيه لقرار ترامب الناقم والذي يراقب استطلاعات الرأي والمزاج الأميركي بقلق كرئيس تمكن بفضل عشوائيته وانسياقه بأن يحتل مكانة الرئيس الأقل شعبية في ولايته الثانية وهذا يزعج رجلاً اعتقد بأنه أهم زعيم على وجه الكرة الأرضية وعبر التاريخ. فإن يصل لهذا الانحدار بسبب استشارة صديقه فهذا يعني الكثير لرجل يحسب كل شيء بمنطق التاجر ربحاً أو خسارة، وقد تسببت له الشراكة مع نتنياهو بخسارة سياسية فادحة.
كان المخرج أن يتم تسويق الأمر كأنه نجاح لمفاوضات بين طرفين لا يملك الحوار بينهما أدنى حدود النجاح بسبب الاختلال الكبير لموازين القوى بين الجانبين وبسبب الغطرسة الإسرائيلية التي تسيطر على أي حوار، وبسبب أن الدولة اللبنانية ليست الفاعل الرئيس في الجنوب وبسبب عدم قدرتها على الاستجابة للاتفاق بمعزل عن «حزب الله» الذي يمتلك الفيتو الأكبر وخارج قرارها، وبسبب أن ايران فاعل رئيس في الداخل اللبناني، لذا لا يتوقع أحد من إسرائيل تقديم تنازلات، لكنه المخرج الذي يحفظ ماء وجه دولة تنكمش مكانتها وتنكشف كجمهورية موز أمام البيت الأبيض.
لم تدخل إسرائيل الحرب لتحقيق الأهداف التي جاءت في الاتفاق من نزع سلاح الحزب والسيطرة على مناطق عازلة كبرى، لكن كما عادة التاريخ فإن موازين القوى هي ما يحدد شكل النهايات. والموازين كانت هذه المرة خارج الجغرافيا وخارج أطراف الاتفاق وتلك واحدة من غرائب الوثيقة بين الجانبين. ولم يكن هناك كثير من الخيارات أمام إسرائيل، فالبديل هو أن تعاند تل أبيب لتعاند ايران من ناحيتها ويستمر إغلاق هرمز، وحينها عادت أو لم تعد الحرب فهذا يعتبر عودة للأزمة الكونية التي لم يخفَ تعبيراتها في خطاب ترامب في ايفيان وهو يعترف أن احتياط النفط العالمي كان على وشك النضوب وأن العالم كان على شفا الركود.
هذا لم يكن مسموحاً لنتنياهو العبث فيه أو تقريره بعد خديعة حرب الأيام الأربعة التي قدمها للرئيس ترامب في الحادي عشر من شباط وسط معارضة أجهزة الدولة الأميركية، وغياب العاقل جي دي فانس الذي استغل نتنياهو وجوده في أذربيجان ليستفرد بالرئيس الساذج، وهذه واحدة من أسباب نقمة نائب الرئيس على نتنياهو، أضيفت لها نقمة الرئيس من الخديعة. وهنا نحن أمام تكامل الحكم على نتنياهو الذي اكتملت صورته المنبوذة، فقد تحول إلى عبء على إسرائيل وعبء على الولايات المتحدة وعبء على البيت الأبيض، ويمكن التقدير أن الدولة الأميركية ستساهم بالإطاحة به خاصة أن حظوظه بالعودة لتشكيل حكومة والحصول على الأغلبية في الانتخابات القادمة تبدو مستحيلة، فائتلافه يثبت عند الخمسين مقعداً ولا تغيير، وترامب لا يراهن على أحصنة خاسرة فما بالنا بحصان شرير ومكلف.
انتهت المحكمة من الاستماع لشهادات بنيامين نتنياهو في المحاكمة التي استمرت عشرة أعوام، وبانتظار قرار الإدانة أو التبرئة التي لن تكون ويبدو أن المحكمة التي تناصبه العداء ستدينه قبل الانتخابات لتسهيل إعدامه سياسياً بتواطؤ بين الولايات المتحدة والدولة العميقة في إسرائيل. فقد تآمر على الجميع، آن الأوان ليكون مادة للمؤامرة. هكذا يسخر التاريخ …!
