ثمة ما يشبه القانون الخفي في سيرة إسرائيل العسكرية: أنها بدأت بانتصارات نظيفة ثم فقدت، تدريجيا، القدرة على تكرارها. ففي 1948 ثم في 1967، ألحقت بالجيوش العربية هزائم حاسمة لا لبس فيها، رسخت في وعيها صورة الدولة التي لا تقهر، ومعها فكرة أن تفوقها العسكري قادر، كلما استدعي، على إنتاج نصر سريع ونهائي. لكن ما إن غادرنا تلك المرحلة حتى بدأت الصورة تتآكل. لم تعد المعارك تنتهي بنصر ناصع، ولم تعد القوة الإسرائيلية قادرة على تحويل تفوقها المادي إلى حسم سياسي مستقر. ففي حرب 1973 اهتزت أسطورة التفوق المطلق، وفي اجتياح لبنان 1982 غرقت في مستنقع لم تخرج منه منتصرة، ثم وجدت نفسها أمام انتفاضتين فلسطينيتين أظهرتا حدود السلاح في مواجهة شعب يرفض الانكسار، وأمام مقاومة لبنانية دفعت جيشها إلى الانسحاب من جنوب لبنان مدحورا. أما الحرب الأخيرة، التي خاضتها بسند أميركي مباشر وبأقصى ما تملك من أدوات القتل والتدمير، فلم تنتهِ بدورها إلى نصر مبين، بل كشفت ما جرى تأجيل الاعتراف به طويلا: أن قدرتها على فرض ما تريد ومنع ما لا تريد لم تعد كما كانت، وأن ما يتآكل ليس صورة دعائية أو هيبة إعلامية، بل قابلية الحسم نفسها بوصفها جوهر القوة ومبررها الأعلى.
وهذا المنحنى ليس تفصيلا عابرا، بل عرض لمرض أعمق يضرب البنية الإسرائيلية من داخلها. فالقوة حين تتكرر بلا أن تحسم، وتقتل بلا أن تنهي، وتدمر بلا أن تنتج ترتيبا مستقرا، تكف تدريجيا عن أن تكون قوة بالمعنى الذي تتصوره لنفسها. ليست القوة في إيقاع الألم وحده، ولا في توسيع مساحة الخراب، بل في القدرة على إنتاج نتيجة دائمة وفرض واقع سياسي يصمد أمام الزمن. وهنا تكمن مأساة إسرائيل البنيوية: أنها أتقنت فعل الإيذاء وعجزت عن تحويله إلى خاتمة. هي قادرة على أن تقتل وتدمر وتهجر وتروع، لكنها عاجزة عن أن تنهي الصراع أو تطفئ جذوته أو تفرض تسوية بشروطها. ولذلك فإن كل حرب لا تنهي شيئا ليست سوى ترحيل مؤقت للأزمة، وتراكم صامت لبذور الحرب التالية. وحين تتحول القوة من أداة لإغلاق الصراع إلى آلية لإدامته، تبدأ، من حيث لا تريد، في تقويض معناها وتحويل تفوقها الظاهر إلى عبء استراتيجي يتكرر بلا جدوى.
من هنا يطرح السؤال الذي تهربت منه إسرائيل طويلا، وربما باتت عاجزة عن تأجيله أكثر: ما الذي ينقذها من هذا التآكل المزدوج الذي يضرب ردعها العسكري في الخارج ويقوض تماسكها السياسي والأيديولوجي والديني في الداخل، في لحظة يتراجع فيها التأييد الدبلوماسي لها عالميا، وتنحسر مقبوليتها المحدودة أصلا في محيطها العربي؟ والجواب، في تقديري، لا يبدأ من خصومها بل منها هي، ولا من عدد الصواريخ والجبهات بل من طبيعة الفكرة التي تحكمها وتدفعها إلى الإصرار على الطريق نفسه رغم كل ما تكشفه الوقائع من انسداد.
فالتهديد الأكبر الذي يواجهها، اليوم، لا يأتي فقط من مقاومة الفلسطينيين أو من خصومها الإقليميين، بل من رفضها الداخلي لإجراء المراجعة الضرورية بين شروط بقائها كدولة وبين الاستحقاقات التي يفرضها هذا البقاء. وأول هذه الاستحقاقات تحرر فعلي من شطط الأيديولوجيا الدينية والقومية المغلقة التي ترتهن إليها في فهمها لذاتها وللعالم. فهذه الأيديولوجيا لا تكتفي بوضعها في حالة حرب دائمة مع الآخرين، على نحو يذكر بحالة الطبيعة الهوبزية بوصفها حرب الكل ضد الكل، بل تدفعها إلى ما هو أخطر: حرب دائمة مع ذاتها. فالدولة التي تؤسس وجودها على نص مقدس مغلق ووعد استثنائي لا يقبل المراجعة، تحكم على نفسها بأن تعيش في توتر لا ينقطع بين صورتها المعلنة وممارستها الفعلية، بين ادعائها الديمقراطية وممارستها الاحتلال، بين لغتها المدنية ومادتها الاستعمارية، وبين رغبتها في الاندماج في العالم الحديث وإصرارها على حمل ماضٍ ميتافيزيقي إلى السياسة بوصفه مصدرا للشرعية والحق والسيادة.
ومن هنا فإن أي محاولة جادة للنجاة لا يمكن أن تقتصر على ترميم الردع أو تجديد آلة الحرب أو البحث عن ترتيبات إقليمية، بل تبدأ من مراجعة الفكرة التي تسكن الدولة نفسها: فكرة الاصطفاء والاستثناء، والحق المطلق المنفصل عن العدالة، والأمن الذي يبرر كل شيء حتى لو أفضى إلى نفي إنسانية الآخر بالكامل. والبديل ليس غامضا ولا مستحيلا من حيث المبدأ: الانتقال من منطق الهوية المغلقة إلى منطق الدولة المدنية، ومن سردية دينية حصرية إلى مقاربة أخلاقية مستمدة من قيم التعايش والحرية والعدل والمساواة. وهذه المراجعة ليست ترفا فكريا، بل شرط بقاء سياسي في المدى البعيد؛ فالدولة التي تظل أسيرة أيديولوجيا لا ترى في العالم إلا أعداء محتملين، ولا ترى في الفلسطيني إلا فائضا بشريا يجب ضبطه أو محوه، ستجد نفسها سجينة خوفها الخاص، عاجزة عن سلام مع الخارج أو استقرار في الداخل. ذلك أن التطرف الأيديولوجي لا يسمم العلاقة مع الآخر فحسب، بل يفتك بالمجتمع الذي يحمله، ويحول الدولة من إطار لإدارة التعدد إلى آلة دائمة لإنتاج التوتر والإنكار.
أما الاستحقاق الثاني، وربما الأشد مرارة، فهو الاعتراف بأن بوابة السلم ليست القوة العارية المغلفة بمقولة الردع، وأن ما عجزت عنه القوة طوال عقود لن تنجزه نسخة أشد توحشا منها. فمنذ نشأة إسرائيل، مورست القوة الفائضة بلا انقطاع: حربا واحتلالا واستيطانا وحصارا وتجويعا واقتلاعا، ومع ذلك لم تفلح في إذابة الفلسطينيين أو محوهم من معادلة الأرض والتاريخ. بل إن المفارقة الكبرى أن الزمن عمل عكس ما أرادت تماما: فكلما اشتد البطش، ازداد الفلسطينيون تشبثا بحقهم، وكلما اتسعت أدوات الإلغاء، اتسعت أشكال التمسك بالهوية والذاكرة. لم تنجح المجازر في إنتاج النسيان، ولا المنافي في قطع الصلة بالمكان، ولا الحصار في تحويل الفلسطيني إلى كائن قابل للترويض. والأجيال الجديدة ليست أقل عنادا من سابقاتها، بل لعلها أكثر صلابة، لأنها ترث القضية لا حنينا مجردا إلى ماضٍ مفقود، بل جرحا مستمرا وحقا لم يسقط وذاكرة حية في اللغة والبيت والمنفى والمخيم. فالشاب الفلسطيني في سانتياغو أو لندن، كما في نابلس أو مخيم الشاطئ أو جنين أو البقعة أو عين الحلوة، لا يزال يمسك، ولو رمزيا، بمفتاح بيت أجداده، فيغدو هذا المفتاح أكثر من أثر عائلي؛ إنه اختزال مكثف لفكرة الانتماء نفسها، ولإصرار الذاكرة على مقاومة المحو.
وإدراك إسرائيل لهذه الحقيقة ليس تفصيلا عاطفيا، بل احتكام إلى الواقع نفسه؛ الواقع الذي يقول بوضوح قاسٍ إنها، رغم استخدامها كل أدوات الإلغاء، الناعمة والخشنة، لم ولن تتمكن من محو الفلسطينيين ماديا أو معنويا، ولن تنجح في كبح التأييد المتصاعد لقضيتهم عالميا. والأخطر بالنسبة إليها أن هذا التحول لم يعد محصورا في هوامش الرأي العام، بل بدأ يتسلل إلى معاقل طالما اعتبرت حصونا لها: داخل الحزبين الجمهوري والديمقراطي في الولايات المتحدة، والجامعات الغربية، وقطاعات متزايدة من الجاليات اليهودية نفسها، حيث لم يعد الدفاع عنها بديهية غير قابلة للنقاش، بل صار موضع سؤال وانقسام وحرج أخلاقي. وهذه ليست أزمة صورة قابلة للعلاج بحملة دعائية أكثر مهارة، بل تحول أعمق في بنية النظر إلى إسرائيل: من دولة نجحت طويلا في تسويق نفسها ضحية محاطة بالأخطار، إلى دولة بات يصعب فصلها عن مشاهد الاحتلال والحصار والتجويع والقتل الجماعي. وحين تتآكل الشرعية في الخارج ويتزايد التطرف في الداخل، تصبح القوة العسكرية، مهما تضخمت، أعجز عن تعويض الخسارة في المعنى والقبول.
ويبقى أن نتذكر الحقيقة الأهم: أن امتناع إسرائيل عن انعطافة عميقة لا يعني استدامة البؤس في صفوف الشعب المستعمر وحده، بل استدامة التآكل داخل دولة الاحتلال نفسها. فالقهر الذي يمارس في الخارج لا يبقى هناك؛ إنه يرتد توترا وتآكلا في الداخل، ويعيد تشكيل المجتمع الذي ينتجه على صورته، ويغذي فيه الخوف والتطرف والتشظي. والعزلة التي تزرعها في العالم تعود لتُطبق عليها هي نفسها، ولو ببطء. وعندئذ لن يقتصر نبذ العالم على وجوه بعينها من طراز سموتريتش وبن غفير، بل سيمتد، تثقله ذاكرة عشرات آلاف الأبرياء الذين قضوا في غزة، إلى المجتمع الذي قبل أن يدار باسمه هذا القدر المريع من العنف والإنكار. فالدول، مثل الأفراد، لا تنجو بقوتها وحدها، بل بقدرتها على أن تكون مقبولة في العالم الذي تعيش فيه، وأن تمنح وجودها معنى يمكن الدفاع عنه. أما القوة التي تنتصر على كل شيء إلا على المعنى، وتنجح في إيقاع الألم دون أن تنتج سلاما أو عدالة أو استقرارا، فهي لا تكتب انتصارها الأخير، بل تكتب، ببطء وثبات، شهادة أفولها.

شاركها.