في الصراعات الكبرى، لا تُغيَّر الأسماء عبثاً. فعندما تعجز الدول عن الدفاع عن سياسة ما، فإنها لا تتخلى عنها بالضرورة، بل تبدأ أولاً بتغيير اسمها لاعادة تسويقها . وما يجري اليوم في إسرائيل حول التخلي عن مصطلح “الهجرة الطوعية” واستبداله بمصطلحات مثل “حرية العبور” أو “المرور الحر”، ليس تفصيلاً لغوياً، بل مؤشر على أن الفكرة نفسها ما زالت قائمة، وأن المطلوب هو إعادة تسويقها دولياً.

ففي خضم الحرب على غزة، تلقفت إسرائيل بحماسة فكرة تهجير سكان القطاع التي طرحها الرئيس الأميركي دونالد ترامب قبل أن يتراجع عنها لاحقاً. لكن التراجع الأميركي لم يؤد إلى دفن المشروع، بل إلى إعادة صياغته وتأمين مقومات تنفيذه وإنجاحه على الأرض . فقد تبين أن مصطلح “الهجرة الطوعية” يثير اتهامات مباشرة بالترانسفير، ويخلق حرجاً للدول التي يمكن أن تستقبل فلسطينيين من غزة أو تتعاون مع الخطة. ولذلك، جرى نقاش داخل إسرائيل حول استبدال الاسم بمصطلحات مثل “حرية العبور” أو “المرور الحر”، على أمل أن يؤدي تغيير اللغة إلى تبديد صورة التهجير القسري وتشجيع أطراف دولية على التعاون مع المشروع.

غير أن المشكلة، من منظور القانون الدولي، لا تكمن في التسمية، بل في الفعل ذاته. فالقانون الدولي الإنساني لا يمنح الأسماء أي قيمة قانونية مستقلة، ويعتبر النقل أو التهجير القسري للسكان المدنيين نتيجة للحرب أو الاحتلال فعلاً محظوراً، بغض النظر عن التوصيفات السياسية أو اللغوية التي تُعطى له. فالتغيير في المصطلحات قد يخفف الكلفة السياسية، لكنه لا يغير الطبيعة القانونية للفعل.

والأكثر دلالة أن مسؤولين إسرائيليين باتوا يتحدثون بصراحة غير مسبوقة: حركة حماس ستبقى في غزة، والواقع السياسي والأمني لن يتغير بصورة جوهرية، ولذلك فإن الهدف العملي المطروح اليوم هو إخراج أكبر عدد ممكن من سكان القطاع. وهنا تتحول الحرب، من حرب على فصيل  مسلح، إلى محاولة لإعادة تشكيل الواقع الديمغرافي نفسه.

هذه ليست مجرد سياسة ظرفية فرضتها أحداث السابع من أكتوبر، بل تعكس تحولاً تاريخياً عميقاً داخل المجتمع الإسرائيلي. فما كان يُعتبر طوال عقود فكرة متطرفة تنتمي إلى هامش اليمين الإسرائيلي وإلى أتباع الحاخام مئير كهانا، أصبح اليوم، وفق استطلاعات الرأي الإسرائيلية، فكرة تحظى بتأييد واسع، بل تكاد تشكل إجماعاً في ما يتعلق بقطاع غزة. لقد انتقلت فكرة الترانسفير من هامش السياسة الإسرائيلية إلى مركزها، ومن خطاب جماعات متطرفة إلى خطاب تتبناه قطاعات واسعة من المجتمع والنخبة الحاكمة. ولم يعد ممثلو هذا التيار يقفون خارج النظام السياسي، بل أصبحوا يجلسون خلف مقود القيادة ويؤثرون في تحديد اتجاه الدولة نفسها.

ومن هنا، لا يبدو التدمير الواسع الذي شهدته غزة، ولا تأخير إعادة الإعمار، ولا الإبقاء على مئات الآلاف من السكان في الخيام وفي ظروف إنسانية قاسية لا يحتملها بشر ، مجرد نتائج جانبية للحرب. ففي نظر قطاعات داخل المؤسسة السياسية الإسرائيلية، قد يتحول استمرار هذا الواقع المؤقت الضاغط والمهين إلى أداة ضغط طويلة الأمد، هدفها دفع أكبر عدد ممكن من الفلسطينيين إلى البحث عن النجاة وعن مستقبل خارج القطاع. فكلما أصبحت الحياة أقل قابلية للاستمرار، ازدادت، في حسابات أصحاب هذه الرؤية، احتمالات الرحيل/ الترحيل .

وإذا كان التدمير المنهجي  والتهجير القسري   قد أصبحا، منذ السابع من أكتوبر، جزءاً من إدارة الصراع، سواء في  قطاع غزة أو في جنوب لبنان من خلال ما يسمى بالمناطق الصفراء ،  أو في مخيمات اللاجئين في الضفة الغربية، فإن القضية الفلسطينية تبقى الأكثر دراماتيكية وحساسية ، لأنها تمس السؤال الذي رافق المشروع الصهيوني منذ بداياته: كيف يمكن الحفاظ على دولة يهودية في فضاء تتغير موازينه السكانية باستمرار؟

وهنا قد تفرض المقارنة التاريخية نفسها مع اختلاف المعطيات . فقد اكتشفت فرنسا، بعد أكثر من قرن من السيطرة على الجزائر، أن التفوق العسكري لا يستطيع حسم المسألة الوطنية والديمغرافية. كما اكتشف نظام الفصل العنصري في جنوب أفريقيا أن السيطرة السياسية والأمنية لا تستطيع إلغاء الحقائق السكانية إلى الأبد. وفي الحالتين، لم يؤد تأجيل مواجهة الواقع إلا إلى جعل التسوية النهائية أكثر صعوبة وكلفة.

ولعل المفارقة الكبرى أن قيام دولة فلسطينية على 22 في المئة من أرض فلسطين التاريخية، وهو الحل الذي جرى تصويره داخل إسرائيل لعقود باعتباره تنازلاً وجودياً وخطراً استراتيجياً، قد يكون في الحقيقة المصلحة الإسرائيلية الاستراتيجية الأهم. فهو لا يمثل فقط حلاً وطنياً للفلسطينيين بحد ادنى ، بل يشكل أيضاً الآلية الوحيدة المتبقية للحفاظ على “الطابع القومي اليهودي “للدولة الإسرائيلية، ومنع الوصول، خلال عقد او اثنين ، إلى واقع الدولة ثنائية القومية بين البحر والنهر، وهو الواقع الذي تخشاه قطاعات واسعة من النخبة الإسرائيلية نفسها.

ومن هذه الزاوية، تبدو الحرب الحالية، بالنسبة إلى تيار متزايد داخل إسرائيل، محاولة متجددة لاستكمال ما بدأ عام 1948، عندما دُمّرت نحو خمسمئة قرية فلسطينية وهُجّر سكانها واستخدم وزراء اسرائيليون مصطلح النكبة في سياق الحرب الحالية ايضا . ليست القضية، في جوهرها العميق، كتهديد وجودي ، إيران ولا البرنامج النووي ولا حتى حماس. القضية الحقيقية هي محاولة حسم المعركة الديمغرافية قبل أن يحسمها الزمن وهذا الخطر الوجودي كما تراه نخب في اسرائيل .

لكن التاريخ يقدم درساً ثابتاً: يمكن تغيير أسماء السياسات، ويمكن تأجيل مواجهة الحقائق، لكن لا يمكن الانتصار على الديمغرافيا إلى الأبد. ولعل المفارقة التي قد يكتشفها الإسرائيليون بعد سنوات، أن الدولة الفلسطينية التي جرى رفضها لعقود باعتبارها خطراً على إسرائيل، كانت في الواقع آخر فرصة لإنقاذ إسرائيل من التحول إلى الدولة ثنائية  القومية التي تخشاها حتى لو جاءت بعد عقود من “نظام الفصل العنصري” بغياب حل سياسي للصراع .

شاركها.