ألف يوم مرت وكأنها دهر كامل سجل فيها قطاع غزة واحدة من أطول وأعنف حملات التدمير والتطهير العرقي في التاريخ الحديث. ومع بلوغ الحرب هذا التاريخ المأساوي، لم تعد المسألة مجرد إحصاءات تُتلى في المؤتمرات، بل تحولت إلى واقع مرعب أعاد رسم جغرافية القطاع، ومحا عائلات بأكملها من الوجود، تاركاً خلفه بقعة معزولة تكافح للبقاء على قيد الحياة تحت وطأة ركام بلغت خسائره الأولية المباشرة نحو 80 مليار دولار.
خلف رقم الشهداء الموثق في المستشفيات والبالغ 73,066 شهيداً، هناك 9500 مفقود تحت الأنقاض. ولم يكن الأطفال والنساء على هامش الحرب، بل شكلوا أكثر من نصف الضحايا؛ إذ استشهد ما يزيد على 21,500 طفل، من بينهم مئات الرضع الذين وُلدوا وقُتلوا في أتون هذه الحرب دون أن يمنحهم الموت فرصة لتسجيل أسمائهم في الحياة، سوى في قوائم الفقد.
وبحسب أرقام المكتب الإعلامي الحكومي في قطاع غزة، اليوم الخميس، فإن هذا النزيف المستمر شطب نحو 2,700 عائلة بالكامل من السجل المدني بعدما قُتل كل أفرادها، في حين تحولت آلاف الأسر الأخرى إلى ذكريات يرويها ناجٍ وحيد.
جغرافيا غزة
ولم تعد جغرافيا قطاع غزة تشبه ماضيها بعد أن ألقى الجيش الإسرائيلي أكثر من 223 ألف طن من المتفجرات، ما أحدث دماراً شاملاً أتى على 90% من معالم القطاع، ليمتد الاحتلال العسكري إلى نحو 80% من مساحته. هذا الهدم الممنهج سوّى بالأرض 410 آلاف مبنى ووحدة سكنية، تاركاً أكثر من 350 ألف أسرة بلا مأوى في مواجهة العراء، وسط خيام اهترأت كلياً في مخيمات النزوح القسري التي لم تسلم هي الأخرى من استهداف مراكز إيوائها ومصائد الموت المتمثلة في نقاط المساعدات.
بالتوازي مع آلة القصف، كان «الموت الصامت» يفرض إيقاعه عبر سلاح التجويع والحصار. فمع إغلاق المعابر التام لأكثر من 650 يوماً، ومصادرة آلاف الشاحنات الإنسانية، تحول القطاع إلى ساحة مفتوحة للأوبئة وأمراض سوء التغذية التي حصدت أرواح مئات الأطفال والمسنين، وضاعفت من مأساة المرضى والنساء الحوامل اللواتي واجهن انعدام الرعاية الصحية في ظل خروج 38 مستشفى عن الخدمة، واستهداف الكوادر الطبية وسيارات الإسعاف.
ولم تقتصر الحرب على تدمير الحاضر بل امتدت لتجريف المستقبل وإعدام الحياة العامة؛ حيث حُرِم مئات الآلاف من طلاب المدارس والجامعات من حق التعليم بعد تدمير المنشآت الأكاديمية واغتيال النخب من العلماء والباحثين، فضلاً عن تصفية الكوادر الصحفية ورجال الدفاع المدني لمنع توثيق الكارثة. وامتدت يد التخريب لتطال الهوية الثقافية والدينية عبر تدمير معظم المساجد والكنائس التاريخية، وحتى المقابر لم تسلم من النبش وسرقة جثامين الأموات.
على الصعيد الاقتصادي، تكبدت غزة فاتورة تدميرية هائلة شلت بنبتها التحتية بالكامل؛ حيث تصدر قطاع الإسكان قائمة الخسائر بـ 34 مليار دولار، يليه القطاعان الصحي والخدماتي بـ 6 مليارات دولار لكل منهما، في حين تساوت خسائر القطاعات الصناعية والتجارية والزراعية بقرابة 4 مليارات دولار لكل قطاع، بعد تجريف معظم الأراضي الزراعية والدفيئات وشل الثروة السمكية.
اليوم، وبعد انقضاء الألف يوم الأولى، لا تبدو المشاهد في غزة بحاجة إلى توصيف حقوقي لتأكيد الكارثة؛ فالأرض التي جُرِّفت، والشوارع التي مُحيت، وآلاف الأطفال الأيتام والأرامل، يتحدثون بلسان حال واحد عن بقعة جغرافية صمدت أمام أعتى آلات الدمار، لكنها باتت تصرخ بوجه عالم يكتفي بملء دفاتر الإحصاء بينما تستمر المحرقة في حصد من تبقى.
