يواجه قطاع التصنيع في ألمانيا خطر التعطل مجددا جراء الطقس الجاف الذي يعرقل حركة الشحن عبر نهر الراين، الممر المائي الداخلي الأهم في البلاد، مما يلقي بظلال من الشك على آفاق تعافي أكبر اقتصاد في أوروبا، بحسب شبكة “بلومبرج”.
وأوضح فابيان شبيس، نائب مدير الاتحاد الألماني للنقل المائي الداخلي، أن مستويات المياه انخفضت إلى حد أجبر السفن النهرية على تقليص حمولاتها، وهو ما دفع تكاليف النقل إلى الارتفاع بشكل ملحوظ، مما يمثل تحدياً كبيراً لشركات التصنيع الكبرى مثل “تيسين كروب” و”باسف” التي تعتمد بشكل أساسي على هذه الممرات المائية لإمداد مصانعها بالفحم، والنفط الخام، والمواد الكيميائية.
في هذا الإطار، أعلنت شركة “تيسين كروب” عن تضرر مصنعها في دويسبورج، مما اضطرها لتعليق خدمة زوارق الدفع الخاصة بها والاستعانة بسفن خارجية قادرة على الإبحار في المنسوب الحالي، في حين قامت شركة “باسف” بزيادة عدد السفن العاملة في الخدمة للتعويض عن تراجع طاقتها الاستيعابية.
وحذر مارتن أديمر، الخبير الاقتصادي لدى “بلومبرج إيكونوميكس”، من أن استمرار انخفاض مستويات المياه لفترة طويلة قد يلقي بعبء إضافي على الإنتاج الصناعي الألماني المتعثر بالفعل، مما يهدد التوقعات السابقة التي كانت تشير إلى تعافٍ تدريجي بعد صدمة أسعار الطاقة، على الرغم من أن الشركات تبدو أكثر استعداداً للتعامل مع مثل هذه الأزمات مقارنة بالسنوات الماضية لتخفيف حدة الضربة المحتملة.
تأتي هذه الأزمة في وقت تحاول فيه الحكومة الألمانية دفع عجلة النمو بعد سنوات من الركود عبر إصلاحات هيكلية وزيادة الإنفاق على البنية التحتية والدفاع، وهي الجهود التي تعقدت بالفعل بسبب التوترات الجيوسياسية في الشرق الأوسط والتي دفعت برلين في أبريل الماضي إلى خفض توقعاتها للنمو لعام 2026 إلى نصف في المئة فقط. ويُعِيد هذا المشهد للأذهان أزمة عام 2018 عندما تسبب انخفاض مياه الراين لعدة أشهر في كبح الناتج المحلي الإجمالي لألمانيا بنحو 0.4 في المئة، تلتها أزمة جفاف أخرى عام 2022 تزامنت مع صدمة الأزمة الروسية الأوكرانية.
يزيد من تعقيد الوضع الحالي غياب البدائل اللوجستية، حيث أوضح مارك شاتنبرج، الخبير الاقتصادي لدى “دويتشه بنك”، أن إغلاق مسار رئيسي للشحن عبر السكك الحديدية على الضفة اليمنى للنهر بسبب أعمال الصيانة يحرم الشركات من وسيلة نقل بديلة وفعالة.
وأضاف أن هذا التأخير في سلاسل التوريد يمثل رياحاً معاكسة قوية لصناعة بدأت للتو في الاستقرار، محذراً من أن استمرار الاضطرابات قد يؤدي إلى تأثيرات سلبية واضحة على الناتج المحلي الإجمالي يصعب قياسها بدقة في الوقت الراهن.
ويثير جفاف النهر مخاوف من تأجيج التضخم في وقت يراقب فيه البنك المركزي الأوروبي الأسواق لتحديد مدى الحاجة لمزيد من رفع أسعار الفائدة لاحتواء قفزات الأسعار الناجمة عن التوترات الإقليمية.
وفي هذا الصدد، اعتبرت إيزابيل شنابل، عضو المجلس التنفيذي للمركزي الأوروبي، أن أزمة الراين تعد من العوامل التي قد تبقي التضخم مرتفعاً، بينما رجح دانييل هارتمان، المحلل لدى “بانتليون”، ألا تزيد مساهمة جفاف النهر وحده في التضخم عن 0.2 نقطة مئوية، لكنه حذر من تداخلها مع تحديات مناخية أخرى قد ترفع أسعار المواد الغذائية بشكل أوسع.
