لا تُقاس الحروب بعدد الضحايا وحده، بل بما تتركه وراءها من وقائع جديدة يصعب التراجع عنها. فالمدينة التي تبقى ركاماً، والبيت الذي لا يُعاد بناؤه، والخيمة التي يطول عمرها حتى تكاد تصبح بيتاً، ليست مجرد نتائج للحرب، بل قد تغدو جزءاً من غاياتها واستمراريتها. عندئذ، لا يكون الدمار خاتمة المعركة، بل بداية مرحلة أشد خطراً.
وليس للفلسطيني علاقة عابرة بالخيمة. فمنذ نكبة عام 1948، لم تعد قطعة قماش تقي من المطر والشمس، بل أصبحت ذاكرة جماعية تختزن الخوف من أن يتحول المؤقت إلى دائم، وأن يصبح اللجوء وطناً، والانتظار حياة. لذلك، لا تُرى الخيام المنتشرة اليوم في غزة والتي يعيش فيها ١،٧ مليون إنسان ، بوصفها استجابة إنسانية فحسب، بل بوصفها إنذاراً بأن التاريخ قد يعيد إنتاج نفسه، وأن النكبة قد تعود بأدوات مختلفة.
ومن هنا، يصبح منع إعادة الإعمار، الذي ستتمسك به اسرائيل قدر استطاعتها ،أكثر من أزمة إنسانية. فالبيت الذي يبقى ركاماً لا يبدل شكل المكان فحسب، بل يبدل حسابات سكانه. وما يُحرم من شروط الحياة، يبحث عن الحياة حيثما وجدها. وهكذا يتحول التهجير من قرار يُفرض بالقوة إلى نتيجة تفرضها استحالة البقاء. ولهذا يبدو ظلم الضحية مضاعفاً عندما تُطالَب بالصمود من خلف الشاشات وعبر المنصات، بينما تقضي لياليها تحت الخيام، وتخوض معركتها اليومية من أجل الماء والدواء ورغيف الخبز. البطولة ليست في المزايدة على الضحايا، بل في ألا يُدفعوا إلى اللحظة التي يصبح فيها الرحيل أكثر منطقية من البقاء.
وبينما استحوذت غزة على أنظار العالم، كانت الضفة الغربية تتغير بعيداً عن الأضواء. فالاستيطان لم يتوقف، وعنف وارها—ب المستوطنين تصاعد، والجرافات واصلت إعادة رسم الوقائع على الأرض. وكأن الحرب لا تُخاض في غزة وحدها، بل تمتد بصمت إلى الضفة، حيث تتقلص الجغرافيا الفلسطينية تدريجياً، لا بفعل المفاوضات، بل بفعل الوقائع التي تُفرض يوماً بعد يوم.
والخطأ أن يُختزل هذا المشهد كله في السابع من أكتوبر. فقد غيّر ذلك اليوم مسار الحرب، لكنه لم يبدأ الصراع، كما أن أكثر من ثلاثة عقود من المفاوضات لم تنجح في إقامة الدولة الفلسطينية، مثلما لم تنجح الحروب في فرضها. وبين عجز السياسة وفشل القوة، بقي الفلسطيني يدفع الثمن، بينما استمرت إدارة الصراع ،من الآخرين ،بديلاً عن حله.
وفي المقابل، لم تعد القضية الفلسطينية في إسرائيل مجرد برنامج تتبناه حكومة أو شعار يرفعه حزب، بل تحولت إلى اتجاه مجتمعي واسع ومجددا يعود الفلسطيني وحقوقه ليكون وقودا للمعارك الانتخابية. فقد أظهرت استطلاعات الرأي خلال الحرب تأييداً كبيراً لاستمرار العمليات العسكرية، ورفضاً واسعاً لقيام دولة فلسطينية، ودعماً لسياسات تشجع هجرة سكان غزة. وحين تبلغ هذه المواقف هذا المستوى من التأييد، فإنها تكف عن أن تكون مجرد خيارات حكومية متشددة ، لتصبح مزاجاً عاماً ينعكس على السياسة نفسها، ويتنافس داخله اليمين والوسط على مقدار التشدد والعدائية للعرب ، لا على البحث عن تسوية.
أما الفلسطيني، فقد وجد نفسه بين سلطة استنفدت مشروعها السياسي، وفصائل استنفدت مشروعها العسكري،بدون تحقيق التطلعات الوطنية للناس وعالم يكتفي بإدارة المأساة أكثر مما يسعى إلى إنهائها. ولم تعد الشرعية الدولية عاجزة عن فرض قراراتها فحسب، بل بدت عاجزة حتى عن حماية الحد الأدنى من حق الإنسان في الحياة.
ويبقى السؤال: ماذا يفعل الفلسطيني إذا كان التفاوض لم يُقم دولته، والحرب لم تستعدها، والعالم لم يفرض شرعيته وتركه وما يزال يواجه مصيره وحده؟ لعل الإجابة الأولى هي البقاء بدون شعاراتية. فبقاء الفلسطيني على أرضه ليس مجرد فعل صمود، بل هو الذي يبقي القضية مفتوحة. وما دام شعبان يتنازعان الأرض نفسها، وما دامت الديموغرافيا تفرض حضورها على الجغرافيا، فإن التاريخ سيعود، عاجلاً أم آجلاً، ليفرض إحدى صيغتين: دولة فلسطينية مستقلة، إلى جانب اسرائيل، بطريقة او بأخرى ، أو دولة ثنائية القومية ، تبدأ بنظام تفرقة عنصري قبل ان يفرض حل يتقاسم فيه الشعبان الأرض والحقوق. أما إذا خسر الفلسطيني معركة البقاء، فلن يبقى ما يفرضه على السياسة أو على التاريخ.
