لم يكن قرار الكنيست  في دولة الاحتلال حل نفسه، والدعوة إلى انتخابات في السابع والعشرين من تشرين الأول/أكتوبر المقبل، مجرد استحقاق دستوري داخلي، بل يمثل بداية مرحلة سياسية جديدة ستكون قاسية جدًا على قطاع غزة، وقد تمتد آثارها إلى مجمل القضية الفلسطينية.
فمنذ دخول اتفاق وقف إطلاق النار حيز التنفيذ في 11 تشرين الأول/أكتوبر من العام الماضي، لم يتوقف الاحتلال عن خرق الاتفاق يومًا واحدًا. وقد تجاوز عدد الشهداء منذ ذلك الحين 1150 شهيدًا، وأكثر من أربعة آلاف جريح، إضافة إلى استمرار التوغلات والقصف والتجريف وفرض سياسة الأمر الواقع. لكن ما جرى خلال الأيام التي تزامنت مع حل الكنيست كشف انتقال العدوان إلى مستوى أكثر خطورة، سواء في حجم الاستهداف أو في طبيعة الأهداف.
لقد استهدفت الغارات الإسرائيلية الجنازات، وخيام النازحين، والشقق السكنية، ومراكز الإيواء، بالتزامن مع قصف مدفعي وجوي كثيف، وإنذارات متلاحقة لأحياء كاملة تمهيدًا لإخلائها بالقوة وقصفها. ولم يعد الأمر يتعلق بعمليات عسكرية متفرقة، بل بسياسة منهجية تهدف إلى دفع السكان للنزوح تحت النار، وتوسيع رقعة الدمار، واستكمال مشروع إعادة تشكيل الخريطة السكانية للقطاع.
وفي الوقت نفسه، يواصل الاحتلال فرض وقائع ميدانية جديدة، عبر توسيع ما يسمى بـ”الخط الأصفر”، حيث ارتفعت المساحة التي يسيطر عليها من نحو 53% عند بدء تنفيذ الاتفاق إلى أكثر من 70% اليوم، بما يؤكد أن الاحتلال يستخدم الهدنة المؤقتة لإعادة هندسة الجغرافيا الفلسطينية، وليس للالتزام بوقف إطلاق النار.
ويترافق هذا التصعيد العسكري مع ضغوط سياسية متزايدة خلال المفاوضات الجارية في القاهرة. فالتسريبات المتواترة تشير إلى الدفع نحو ما يسمى بـ”الخطة ب”، التي تقوم على إنشاء مراكز إيواء أشبه بالمعازل في محافظة رفح، بحيث يتم نقل السكان إليها قسرًا بعد تهجيرهم تحت القصف. وبذلك لم يعد التهجير مجرد احتمال، بل مشروعًا يجري تنفيذه بصورة تدريجية، مستخدمًا القصف والتجويع والحصار أدواتٍ لتحقيقه.
إن الربط بين هذه التطورات ليس أمرًا عابرًا. فمع دخول دولة الاحتلال موسم الانتخابات، ستسعى القوى السياسية المتنافسة إلى المزايدة في إظهار التشدد والقوة. وفي مثل هذه الأجواء، يتحول الدم الفلسطيني إلى مادة للاستثمار الانتخابي، ويصبح التصعيد العسكري وسيلة لتعزيز المواقع السياسية ، بينما يدفع الفلسطينيون وحدهم الثمن.
ولذلك، فإن الأشهر الثلاثة المقبلة ليست مجرد فترة انتظار لنتائج الانتخابات الإسرائيلية، وإنما مرحلة قد تشهد محاولة حثيثة لفرض وقائع لا رجعة عنها: مزيد من التدمير، ومزيد من السيطرة على الأرض، ومزيد من التهجير، بما يخلق واقعًا جديدًا يُفرض على أي ترتيبات سياسية لاحقة.
والأخطر من ذلك أن سياسة كسب الوقت، أو الرهان على أن الانتخابات ستؤدي تلقائيًا إلى تخفيف العدوان، قد تكون رهانًا خاسرًا. فالخبرة التاريخية تؤكد أن الحكومات الإسرائيلية، عندما تدخل معركة انتخابية، تميل إلى تصعيد العدوان لا إلى احتوائه، لأن القوة العسكرية تتحول إلى أداة للمنافسة السياسية.
إن مواجهة هذا الخطر تبدأ أولًا بإدراك حقيقته. فنحن لا نواجه مجرد تصعيد عسكري، بل محاولة لاستثمار المرحلة الانتقالية للحكومة الإسرائيلية في فرض نتائج سياسية وميدانية بالقوة، وفي مقدمتها استكمال مخططات التهجير وإعادة تشكيل قطاع غزة بما يخدم أهداف الاحتلال.
ومن هنا، تصبح المهمة الوطنية الملحة هي الانتقال من حالة الانتظار إلى المبادرة، ومن الانقسام إلى وحدة الموقف. فالأولوية اليوم ليست إدارة الخلافات، بل بناء موقف وطني فلسطيني موحد يضع في مقدمة أهدافه منع استئناف حرب الإبادة، وإفشال مشاريع التهجير، وتوحيد التحرك السياسي والدبلوماسي والقانوني، وحشد أوسع ضغط عربي ودولي لوقف العدوان وإلزام الاحتلال باحترام اتفاق وقف إطلاق النار.
لقد دخلت القضية الفلسطينية مرحلة بالغة الحساسية، وأمامنا ثلاثة أشهر قد تحدد شكل غزة ومستقبلها لسنوات طويلة. لذلك فإن أخطر ما يمكن أن نفعله هو التقليل من حجم التهديد، أو الاستمرار في المراهنة على كسب الوقت، أو انتظار ما يمكن أن تمنحه ما تسمى بـ”مجلس السلام” وتشكيلاته من فتات، لأي جهة فلسطينية كانت، مقابل تمرير مشاريع تستهدف الأرض والإنسان والحقوق الوطنية.
إن القضية اليوم ليست تحسين شروط إدارة الكارثة، بل منع وقوعها، وإفشال المشروع الذي يسعى إلى استكمال حرب الإبادة عبر التهجير وإعادة هندسة قطاع غزة سياسيًا وديموغرافيًا.
إن الدم الفلسطيني لا يجوز أن يبقى وقودًا للانتخابات الإسرائيلية، كما لا يجوز أن تتحول معاناة شعبنا إلى فرصة لفرض مشاريع التهجير وتغيير الجغرافيا السياسية للقطاع. والطريق إلى إفشال هذه المخططات يبدأ بإدراك حجم الخطر، وبناء موقف وطني فلسطيني موحد يجعل أولويته وقف حرب الإبادة، والتصدي لمشاريع التهجير، والتمسك بالحقوق الوطنية غير القابلة للمساومة، قبل أن تتحول الوقائع التي يسعى الاحتلال إلى فرضها خلال الأشهر الثلاثة المقبلة إلى حقائق يصعب تغييرها.  19/7/2026

شاركها.