توقفنا في المقال السابق عند التطبيع الذي ينتظر نهاية ملائمة للحرب لينطلق قطاره مجدداً، لكنني أعتقد أن هذه كانت جملة غير دقيقة، وأن الأكثر دقة هو أن التطبيع كجزء من هندسة إقليمية يسير جنباً إلى جنب مع محطات هذه الحرب، وسوف يكون أحد مؤشرات نجاحها من زاوية النظر الأميركية.
أقصد أن كل دولة تنضم إلى الاتفاقيات الإبراهيمية، أو تقوم بعقد صفقتها الخاصة مع الأميركيين والإسرائيليين، ستضيف دليلاً جديداً على أن هذه الحرب تنجح وتحقق أهدافها في تغيير وجه الشرق الأوسط، سواء أعجبنا أو لم يعجبنا، وسواء اعترفنا بالحقيقة المرة أو واصلنا إنكارها. لكن إلى جانب التطبيع كمؤشر نستطيع اعتباره محلياً لعلاقته بالقضية الفلسطينية ومكانتها، فإن هناك الكثير من المؤشرات التي يمكن إدراجها من ساحة الصراع الأميركية الإيرانية، دون أن يكون لها ارتباط حقيقي بهذه القضية، أي أنها تصلح أن توضع تحت عنوان المؤشرات الخارجية لنجاح الحرب.
المؤشر الأول يخص الربط بين الأمن الإقليمي والمشروعات الاقتصادية العملاقة، وهنا لن نعيد الحديث عن الممر الهندي الأوروبي الذي تم إشباعه من قبل الكثير من الكُتاب والمحللين، بل يكفي التأكيد على التالي: لقد تشكل الإقليم سابقاً نتيجة لتوازن بين مصالح الاستعمار القديم بمحاور نفوذه العسكرية وبين الصراعات الأيديولوجية والقومية المحلية. ظلت الوحدات السياسية المشكّلة له طوال مئة سنة تقوم بدورها في ضبط هذا التوازن وتعاني بسببه من الهشاشة المتمظهرة على شكل قلاقل وتوترات بينية وحروب داخلية وخارجية.
جاء الربيع العربي كتتويج لهذه الهشاشة، إذ لم يكن هذا الحدث الكبير نتيجة لأن الناس تطالب بالحرية والخبز والعدالة الاجتماعية فقط، ولا بسبب تدخلات خارجية فقط، وإنما أيضاً لأن الوحدات السياسية هذه وصلت إلى طريق مسدود فيما يخص وظيفتها المفترضة.
ومن ليس له وظيفة سيبحث عن وظيفة، أو سيقرر له الآخرون ذلك. وهنا لا بد من القول، إن المشاريع الاقتصادية الضخمة كالممر الهندي الأوروبي وغيره، فضلاً عن كونها استثمارات في الموانئ والطرق والسكك الحديدية والطاقة، فهي أيضاً أدوات لإعادة تعريف الدول ذاتها؛ من حافظ للتوازن القديم إلى عقدة في شبكة واسعة عابرة للحدود.
كل عقدة من هذه العقد لها وظيفة محددة داخل الشبكة؛ هذه وظيفتها التمويل، وهذه النقل، وتلك الإنتاج. ومن لا يقبل بوظيفته، أو يحاول إعاقة قيام الآخرين بوظائفهم سيتم التعامل معه، حسب أهميته، بواحدة من طريقتين؛ إما تجاوزه وإهماله وإما تطويعه بالقوة.
لكل ذلك، فإن الحرب على إيران، والتي يشنها الأميركيون بحجة القضاء على برنامجها النووي، وتحجيم توسعها، وإنهاء أذرعها، يمكن إدراجها تحت عنوان أكثر وضوحاً وأكثر صدقاً، وهو «من يملك حق توزيع الأدوار» وإسناد الوظائف في الشرق الأوسط. وتحت هذا العنوان لا يمكن لهذه الحرب أن تنتهي بسهولة، وتحته أيضاً لا يجوز أن يتم اختصارها برجل أخرق يجلس في البيت الأبيض.
المؤشر الثاني هو تغيّر طبيعة التحالفات العسكرية والأمنية في المنطقة. قد يجد المتابع بدايات لهذا التغير مع سنوات الربيع العربي الأولى أو حتى قبل ذلك بكثير، لكن ما كان سرّاً، إن وُجد، صار علنياً وتتم ممارسته بلا تحفظات أو محاولات إخفاء. لم تعد صيغة «عرب مقابل إسرائيل» تُستخدم من أي طرف؛ لا من العرب كنوع من التهديد، ولا من الإسرائيليين كنوع من الخوف أو ادعائه، ولا حتى من العالم كمشكلة يسعى لحلّها.
لقد حلّت مكان هذه الصيغة النظرية منظومة من التحالفات والترتيبات الأمنية الجماعية لا ينكرها إلا غارق في أحلام الماضي. بينما هي تتعزز في الدفاع الجوي المشترك، والتنسيق البحري، وتبادل المعلومات الاستخبارية. فإن لم يكن كل هذا صيغة تفرضها الحرب ومن يقودونها لشرق أوسط جديد، فماذا تكون.
المؤشر الثالث يتعلق بالتغييرات التي طرأت على مفهوم محور المقاومة، أو أذرع إيران، أو حلفائها، وعلى ما انبثق عن أي تسمية من هذه التسميات من مفاهيم عسكرية كوحدة الساحات والتحالف الاستراتيجي ومعادلة الردع المشترك وغير ذلك. قد نختلف على وصف هذه التغييرات بمصطلح «تآكل» محور المقاومة، لذلك يمكننا أن نستعيض عنه بتوصيف لا يمكن الاعتراض عليه إلا تحت بند المناكفات السياسية، ألا وهو تراجع قدرة هذا المحور على العمل كمنظومة إقليمية متماسكة، ولا نقول موحّدة.
لماذا لا يمكن الاعتراض؟.
لأن قيمة هذا المحور قبل السابع من أكتوبر كانت في وحدة عناصره وليس في حاصل جمع أهمية كل عنصر على حدة. بمعنى أن الأطراف المحسوبة على هذا المحور تشكّل شبكة واحدة، يتم تمويلها وتسليحها وإدارة سياساتها من إيران أو تحت إشرافها، وبالتالي فإن تحركاتها ستكون ضمن صيغة تقوم على الردع المشترك، وحروبها ستتم إدارتها ضمن جبهة واحدة.
لكن ما أحدثته الحرب خلال الثلاث سنوات الماضية هو الانتقال من منطق حروب «الإسناد» كصيغة غير مقنعة أساساً ولا تتوافق مع مفهوم وحدة الساحات، إلى منطق أن كل طرف أو كل ساحة تدير معركتها الخاصة وفق مصالحها وظروفها الداخلية الخاصة، وتحت سقفها السياسي الخاص. هذا طبعاً إن تجاوزنا أن إدارة هذه المعارك لا تعني الهجوم أو المبادرة بقدر ما تعني كيفية التعامل مع حرب يتم فرضها على هذه الساحات، وهي لا تقوم إلا بمحاولات إيقافها.
أعني أن القوى المعتدية صارت تتعامل مع كل ساحة على اعتبار أنها ملف مستقل، وفرضت على كل ساحة أن تتعامل كذلك، وهذا الفصل لا يمكن رؤيته إلا كمؤشر على هندسة مدروسة لتوازنات إقليمية جديدة نحو شرق أوسط جديد.
وأخيراً، لا بد من القول، إن إعادة توزيع الوظائف هو في حقيقته إعادة لتوزيع النفوذ، بمعنى أن الحرب أدت إلى تعزيز مكانة بعض الدول العربية على حساب البعض الآخر، ونقلتها من دول تتأثر بأي حدث إقليمي إلى دول تقوم بالتأثير، ولو تنفيذاً لطلبات خارجية، ويُلقى على عاتقها مسؤوليات جديدة لم تكن من صميم وظائفها السابقة، ويتم تجهيزها كأعمدة للنظام الإقليمي القادم.