انتشرت في الآونة الأخيرة ظاهرة متسارعة بين المراهقين واليافعين تتمثل في تأثرهم الكبير بالصور والفيديوهات المعدّلة على منصات التواصل الاجتماعي، مما يدفع عدداً منهم إلى السعي نحو إجراء عمليات تجميلية في سن مبكرة جداً، بحسب ما نقلته وسائل إعلام عالمية.

تروي فتاة تدعى لانا، في السادسة عشرة من عمرها، قصتها مع هذه الظاهرة: كانت غير راضية عن شكل أنفها، وبدأت بمقارنة نفسها بصور وفيديوهات شاهدتها على مواقع التواصل، الأمر الذي جعلها تعتقد أنها بحاجة إلى صورة مثالية. حاولت استخدام مستحضرات تجميلية معروضة في هذه المنصات لكن بلا فائدة، فقررت الخضوع لحقن البوتوكس. غير أن النتيجة لم تلبِّ توقعاتها، وبقيت تشعر بالندم وعدم الثقة بمظهرها رغم الإجراء.

ولا يقتصر التأثر على الفتيات فقط أو على ملامح الوجه وحدها؛ فالشبان أيضاً بدأوا يتأثرون بمحتوى يروّج لأجسام ذات عضلات ضخمة والاهتمام الزائد بالمظهر الخارجي، مما وسّع دائرة الضغط النفسي على الجنسين معاً نحو تحقيق صورة جمالية مثالية مفروضة رقمياً.

كشفت دراسة أجرتها مؤسسة الصحة النفسية البريطانية أن 40 في المئة من المراهقين أفادوا بأن الصور على وسائل التواصل جعلتهم يشعرون بقلق حول شكل أجسادهم. وفي دراسة أخرى أجرتها جامعة واترلو الكندية شملت 21 ألف و277 طفلاً ويافعاً تراوحت أعمارهم بين 10 و17 سنة في ست دول، أظهرت النتائج أن 55 في المئة منهم أعربوا عن عدم رضا عن صورة أجسادهم. كما وجدت الدراسة أن هذا الشعور يتفاقم كلما ازداد الوقت المستنفد على وسائل التواصل، وأن محتوى الصور والفيديوهات يحمل تأثيراً أقوى من الرسائل النصية.

يشير طبيب الجراحة التجميلية الألماني كيفارا يوسف إلى أن اليافعين الذين يراجعون عيادته لا ينتمون لفئة واحدة: منهم من يحتاج إلى تدخل طبي ضروري بعد إصابات أو تشوهات، ومنهم من يعاني من اختلافات طبيعية لكنه يتعرض للانتقاد والتنمر، بينما فئة ثالثة لا تعاني من مشكلة تشريحية حقيقية بل من شعور بعدم الرضا الذاتي نتيجة الفلاتر والصور المعدّلة والمقارنات المستمرة.

ويوضح يوسف أن المشكلة الحقيقية لا تكمن في استخدام الفلاتر ذاتها، بل في عجز الإنسان عن نشر صورته الطبيعية دون تعديل. كما حذّر من الخطورة المتمثلة في مقاطع “قبل وبعد” المنتشرة بكثافة على هذه المنصات، التي تختزل عملية جراحية معقدة في ثوانٍ، متجاهلة مخاطرها وفترة التعافي الصعبة. وأضاف أنه يشهد في عيادته حالات يؤيد فيها الأهالي طلبات تجميل لبناتهم في عمر لم يتجاوز 16 سنة، مثل حقن وتكبير الشفاه، تأثراً بمحتوى “تيك توك” و”إنستغرام”، وهو ما يرفضه لأسباب مهنية وأخلاقية.

وتشير مراجعة علمية حديثة في مجلة كيريوس إلى أن الإعجابات والتعليقات على هذه المنصات تتحول إلى مقياس للقبول الاجتماعي، مما يدفع اليافعين إلى ربط قيمتهم الذاتية بمظهرهم الخارجي. كما يحفز هذا التفاعل نظام المكافأة في الدماغ، مما يغذي السعي المتكرر والمجهد نحو صورة مثالية والبحث عن التفاعل الرقمي على هذه المنصات.

وبالتالي قد يؤدي هذا الزخم الرقمي والمقارنات المستمرة إلى انخفاض تقدير الذات، والشعور بعدم الكفاية، واضطراب صورة الجسد، وارتفاع مستويات القلق والاكتئاب، خاصة في مرحلة اليفاعة التي تتشكل فيها الهوية. وقد يفاقم التنمر الإلكتروني والسخرية من المظهر هذه الآثار النفسية، معززاً الصورة السلبية عن الذات.

لكن طبيب التجميل يختتم رسالته بأن التطور الرقمي لن يشكل خطراً حقيقياً إذا أحسنّا استخدامه، فهو فرصة عظيمة للتواصل وتبادل المعرفة. ويدعو الشباب والأهالي إلى التريث وطلب المساعدة المختصة قبل اتخاذ أي قرار تجميلي، وعدم الانجراف خلف الفلاتر والمعايير الجمالية المفروضة رقمياً، مذكراً بأن التنوع هو من جماليات الإنسان، وأن تشابه جميع الوجوه سيفقد الجمال معناه الحقيقي.

شاركها.