الإسكندرية/سما تُعتبر الأمثال الشعبية بمثابة الكنز الحي الذي تحتفظ به الأمم عبر أجيالها، حيث تختزن تجارب قرون طويلة في صيغ لغوية موجزة وبليغة تنتقل بيسر على ألسن الناس. وتكمن قيمتها التراثية في قدرتها على حفظ لحظات تاريخية بعينها، وحماية نمط معيشة الأسلاف ومفرداتهم البيئية من الاندثار والنسيان. تؤثر هذه الأمثال في وجداننا بعمق لأنها لا تقدم مواعظ جافة، بل تنقل لنا ثمرة تجارب حقيقية عاشها أسلافنا، فنستوعب قيمها بشكل طبيعي تلقائي، مما يجعلها بمثابة مرجعية سلوكية يومية تهذب النفوس وتغرس الفضائل في قلوب الناشئة.
من بين تلك الأمثال الشهيرة المثل القائل “عصفور باليد خير من عشرة على الشجرة”، والذي يُعتبر من أبرز الأمثال الشعبية العربية التي ترسخ قيم القناعة والرضا. توضح فاطمة عبد الوهاب السيروطي، باحثة بقسم الأنثروبولوجيا في كلية الآداب بجامعة الإسكندرية، أن هذا المثل يضرب للشخص الذي يفقد ما يملكه بين يديه طمعاً في الحصول على أمر مستحيل التحقق. وتروي القصة أن رجلاً خرج للصيد فتعب من مطاردة الطيور بأمل الحصول على صيد وفير، وبعد مشقة كبيرة تمكن من صيد عصفور صغير.
حين رآه صديقه المتعب، قال له هانئاً: عصفور صغير لكن هنيئاً لك هذا الصيد. وبينما كانا يسيران معاً، رأى الصياد شجرة امتلأت أغصانها بالعصافير، فقال لصديقه: لو صعدت إلى هذه الشجرة لتمكنت من التقاط عشرة عصافير. حاول صديقه إقناعه بعدم القيام بذلك، لكنه أصر على رأيه. ترك العصفور الصغير الذي كان يمسكه بيده على الأرض وأخذ الشبكة وصعد الشجرة، لكن العصافير طارت جميعاً حين اقترب منها، فنزل مسرعاً ليجد أن عصفوره الصغير قد طار أيضاً، فقال له صديقه: قلت لك، “عصفور باليد خير من عشرة على الشجرة”.
يشير موقع bookbrowse.com المتخصص في الثقافة والقراءة إلى أن هذا المثل لم يكن وليد اللحظة، بل بدأ كفكرة فلسفية قديمة تطورت وتعاقبت عليها القرون، حتى استقرت على صيغتها المعروفة اليوم. تضيف السيروطي أن المثل انتقل إلى الثقافة العربية الحديثة عبر حركات الترجمة والتبادل الثقافي مع أوروبا خلال القرنين الثامن عشر والتاسع عشر، حيث تُرجمت نسخته الإنجليزية والألمانية مباشرة إلى العربية، ليصبح واحداً من أشهر الأمثال الشعبية المعاصرة في الثقافة العربية.
هذا التطابق الفكري بين الشعوب المختلفة يؤكد على أن القيم والأخلاقيات الفاضلة تشكل لغة إنسانية مشتركة تتجاوز الحدود الجغرافية واللغوية. فالفضيلة قيمة إنسانية واحدة، والأخلاق سياق كوني يجمع بني الإنسان مهما تباعدت أوطانهم واختلفت ألسنتهم، مما يجعل الأمثال الشعبية رسائل عابرة للحضارات والثقافات، تحمل دروساً خالدة تستفيد منها أجيال متعاقبة.
