نظم المركز الفلسطيني للبحوث والدراسات الاستراتيجية، اليوم الأحد، لقاءً حواريًا بعنوان “إسرائيل ما بعد الانتخابات: السياسات المتوقعة وأثرها على القضية الفلسطينية والإقليم”، وذلك في فندق الكرمل بمدينة رام الله، بمشاركة رئيس قائمة تحالف الجبهة والعربية للتغيير في الكنيست الدكتور أيمن عودة، وبحضور نخبة من الباحثين والأكاديميين والمختصين بالشأنين الفلسطيني والإسرائيلي.
ويأتي هذا اللقاء في إطار اهتمام المركز برصد التحولات السياسية داخل إسرائيل وتحليل مخرجات الانتخابات المقبلة، واستشراف السيناريوهات المحتملة وانعكاساتها على القضية الفلسطينية والتوازنات السياسية والأمنية في المنطقة.
وفي افتتاح اللقاء، رحّب رئيس المركز الدكتور محمد المصري بالمشاركين، مؤكدًا أهمية متابعة المشهد السياسي الإسرائيلي لما له من تأثيرات مباشرة على القضية الفلسطينية ومستقبل المنطقة.
وأشار المصري إلى أن الشعب الفلسطيني يواجه تحديات غير مسبوقة منذ السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023، في ظل استمرار تداعيات الحرب وتصاعد الاعتداءات في الضفة الغربية والقدس، بما يشمل التهجير والاستيطان والانتهاكات الممنهجة بحق المواطنين والمقدسات.
كما حذر من تنامي نفوذ التيارات اليمينية المتطرفة في إسرائيل، مشددًا على أن نتائج الانتخابات المقبلة قد تترك أثرًا مباشرًا على طبيعة السياسات الإسرائيلية تجاه الفلسطينيين وفرص استئناف المسار السياسي.
وأكد أن استطلاعات الرأي لا تمثل بالضرورة نتائج نهائية، لافتًا إلى أن المشهد السياسي الإسرائيلي ما يزال مفتوحًا على احتمالات متعددة، خاصة في ظل قدرة رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو على إعادة تشكيل التحالفات السياسية والمناورة داخل الساحة الحزبية.
وشدد المصري على أهمية تعزيز المشاركة السياسية للفلسطينيين داخل أراضي عام 1948، بما يعزز قدرتهم على التأثير في الخارطة السياسية الإسرائيلية، داعيًا في الوقت ذاته إلى إنهاء الانقسام الفلسطيني وتعزيز الوحدة الوطنية وبناء رؤية سياسية وأمنية مشتركة.
من جانبه، أكد الدكتور أيمن عودة أن المرحلة التي تسبق الانتخابات الإسرائيلية المقبلة تتسم بحساسية بالغة، مشيرًا إلى أن الحكومة الحالية قد تسعى لتحقيق مكاسب سياسية أو أمنية قبيل التوجه إلى صناديق الاقتراع، في ظل عدم تحقيق ما وصفه بـ”النصر الحاسم” خلال المواجهات العسكرية الأخيرة.
وأوضح أن الحكومة الإسرائيلية تواجه تحديات سياسية وأمنية متزايدة، ما يجعل المرحلة المقبلة مفتوحة على قرارات وإجراءات قد تكون لها تداعيات مباشرة على الفلسطينيين.
وأشار عودة إلى أن اليمين الإسرائيلي يضع السلطة الفلسطينية ضمن أهدافه السياسية، مستشهدًا بتصريحات ومواقف تدعو إلى إضعافها أو تقويض دورها، محذرًا من تأثير ذلك على مستقبل المؤسسات الوطنية الفلسطينية.
وأكد أن الحفاظ على هذه المؤسسات وتعزيز قدرتها على الصمود يمثلان ركيزة أساسية لحماية المشروع الوطني الفلسطيني، رغم وجود تباينات واختلافات فلسطينية حول أدائها وسياساتها.
وأضاف أن القضية الفلسطينية ما تزال تشكل محورًا رئيسيًا في الحياة السياسية الإسرائيلية، رغم محاولات بعض القوى السياسية التركيز على الملفات الداخلية، موضحًا أن قضايا الحرب والأمن والعلاقات الفلسطينية الإسرائيلية تبقى حاضرة بقوة في الخطاب السياسي الإسرائيلي.
وشدد عودة على ضرورة تعزيز الثقة بقدرة الشعب الفلسطيني على الصمود والحفاظ على هويته الوطنية، معتبرًا أن تمسك الفلسطينيين بحقوقهم الوطنية على مدى عقود يشكل إنجازًا تاريخيًا ينبغي البناء عليه.
كما حذر من أن استمرار الحكومة الحالية قد يقود إلى مزيد من السياسات المتشددة وفرض وقائع جديدة على الأرض، الأمر الذي يزيد من تعقيد فرص الوصول إلى تسوية سياسية مستدامة.
وأكد أن أحد أهم التحديات في المرحلة المقبلة يتمثل في منع استمرار هيمنة اليمين الإسرائيلي، معتبرًا أن رفع نسبة مشاركة الفلسطينيين داخل إسرائيل في الانتخابات يمكن أن يسهم في إعادة تشكيل موازين القوى السياسية.
وأوضح أن تأثير الأحزاب العربية بعد الانتخابات سيعتمد على حجم تمثيلها البرلماني وقدرة المعسكرات المختلفة على تشكيل أغلبية داخل الكنيست، لافتًا إلى أن المرحلة المقبلة قد تشهد سيناريوهات متعددة، تتراوح بين تشكيل حكومة جديدة أو استمرار الحكومة الحالية أو الدخول في مفاوضات ائتلافية معقدة.
ودعا عودة إلى تحقيق توازن بين العمل السياسي البراغماتي والرؤية الوطنية بعيدة المدى، مؤكداً أن استخدام الأدوات السياسية المتاحة يجب أن يخدم الحقوق الوطنية الفلسطينية ويحافظ على الهوية الوطنية، دون أن يكون بديلاً عن المشروع الوطني.
وشهد اللقاء نقاشًا موسعًا بين الدكتور أيمن عودة والحضور، تناول مستقبل النظام السياسي الإسرائيلي، والسيناريوهات المحتملة للانتخابات المقبلة، ودور الأحزاب العربية، إضافة إلى انعكاسات نتائج الانتخابات على الفلسطينيين داخل إسرائيل وفي الأراضي الفلسطينية.
كما تطرق النقاش إلى مستقبل السلطة الفلسطينية، وآليات تعزيز الوحدة الوطنية، وسبل مواجهة السياسات الإسرائيلية المتصاعدة، فضلًا عن تأثير التحولات الإقليمية والدولية على القضية الفلسطينية.
وفي ختام اللقاء، أجمع المشاركون على أهمية مواصلة الحوار السياسي والفكري، وتعزيز متابعة التحولات داخل إسرائيل بصورة منهجية، والاستعداد لمختلف السيناريوهات التي قد تفرزها الانتخابات المقبلة.
وأكدوا أن من أبرز الأولويات الوطنية تعزيز الوحدة الفلسطينية، وحماية المؤسسات الوطنية، ورفع مستوى الجاهزية السياسية والاستراتيجية، ودعم المشاركة السياسية للفلسطينيين في الداخل، إلى جانب مواصلة دراسة المشهد الإسرائيلي وفق مقاربة علمية دقيقة.
واختُتم اللقاء بالتشديد على أن الانتخابات الإسرائيلية المقبلة لا تقتصر أهميتها على بعدها الداخلي الإسرائيلي، بل تحمل انعكاسات مباشرة على القضية الفلسطينية ومستقبل التوازنات السياسية والأمنية في المنطقة، ما يستدعي مواصلة البحث والحوار وبناء التقديرات الاستراتيجية اللازمة للتعامل مع المرحلة المقبلة بكفاءة وفاعلية.
