القاهرة/سما أظهر تقرير حديث من وحدة كايرو كومباس لمراقبة الاقتصاد الكلي أن الزيادات الأخيرة في الحد الأدنى للأجور حسّنت دخول العاملين برواتب منخفضة، لكن الضغوط التضخمية المستمرة وصعود أسعار الطاقة أدت إلى تآكل القيمة الفعلية للدعم النقدي الموجه للأسر الأكثر فقراً.
أشارت الدراسة إلى أن رفع الحد الأدنى للموظفين بالجهاز الإداري من 7 آلاف جنيه إلى 8 آلاف جنيه في يوليو 2026 يمثل زيادة بنسبة 14.3%، وهي النسبة ذاتها لمعدل التضخم السنوي المسجل في يونيو، مما يعني أن الزيادة لا توفر مكاسب حقيقية كبيرة في القوة الشرائية عند مقابلتها بارتفاع الأسعار.
قالت ندى مسعود، الرئيس التنفيذي لكايرو كومباس، إن الموظفين الخاضعين لقانون الخدمة المدنية يتلقون علاوة دورية بنسبة 12% بالإضافة إلى علاوة ثابتة قيمتها 750 جنيهاً شهرياً، بينما يحصل الموظفون غير الخاضعين للقانون على زيادة بنسبة 15% مع العلاوة الثابتة، علاوة على تحسينات إضافية لفئات معينة مثل المعلمين والعاملين في القطاع الصحي.
أوضحت مسعود أن هذا الهيكل يعود بأكبر الفائدة على ذوي الدخول المنخفضة؛ فمن كانوا يتقاضون الحد الأدنى القديم البالغ 7 آلاف جنيه سيصل راتبهم إلى نحو 8590 جنيهاً، أي زيادة فعلية تبلغ 22.7% وتتجاوز معدل التضخم بوضوح. غير أن المكاسب تتناقص مع ارتفاع الراتب، فمن يتقاضى 25 إلى 30 ألف جنيه شهرياً لن يشهد سوى زيادة قريبة جداً من معدل التضخم ذاته.
في المقابل، أشارت مسعود إلى أن برنامج “تكافل وكرامة” للدعم النقدي يواجه ضغوطاً متصاعدة؛ فقيمة الدعم الأساسي لم تُرفع منذ أبريل 2025 رغم استمرار ارتفاع تكاليف المعيشة. يبلغ متوسط الدعم الشهري حوالي 900 جنيه للأسرة بحد أدنى 700 جنيه، بعد زيادة بنسبة 25% في أبريل 2025.
أشارت الدراسة إلى وجود نحو 4.66 إلى 5.2 مليون أسرة تستفيد من البرنامج وفق مصادر مختلفة. قالت مسعود إن تثبيت قيمة الدعم مع ارتفاع الأسعار أدى إلى انخفاض قوته الشرائية بشكل مستمر؛ فإذا استمرت معدلات التضخم الحالية دون تعديل الدعم، فقد تنخفض القوة الشرائية للجنيه إلى 8081% من مستواها الأساسي بنهاية ديسمبر 2026، وإلى حوالي 70% فقط بنهاية 2027.
عزت مسعود جزءاً كبيراً من الضغوط التضخمية إلى صدمة الطاقة التي شهدها الاقتصاد خلال العام الحالي. رفعت الحكومة أسعار الوقود بنسبة 1417% في مارس 2026، وتزامن ذلك مع انخفاض قيمة الجنيه وتصاعد تكاليف واردات الطاقة نتيجة التوترات الإقليمية، مما دفع معدل التضخم للارتفاع قبل أن يبدأ في الانحدار تدريجياً.
حذّرت مسعود من أن استمرار التوترات في مضيق هرمز يشكل خطراً على الاقتصاد بسبب تأثره على حركة النقل البحري وتكاليف واردات الطاقة. أضافت أن حادثة استهداف سفينتي غاز طبيعي مسال في ميناء دمياط تعكس امتداد المخاطر الإقليمية إلى البنية التحتية للطاقة المصرية.
طرحت مسعود مقترحين لتحسين فعالية شبكة الحماية الاجتماعية. الأول هو إنشاء آلية تلقائية لزيادة مخصصات برنامج تكافل وكرامة كلما ارتفعت أسعار الوقود بنسبة محددة، بحيث يصرف دعم إضافي خلال فترة قصيرة بدلاً من انتظار حزم استثنائية. الثاني هو تخصيص جزء من الإيرادات الضريبية الإضافية الناتجة عن توسع الاقتصاد الرسمي لتمويل زيادة سنوية منتظمة في قيمة الدعم النقدي.
أكدت مسعود أن نجاح الحكومة في احتواء التضخم لا يقاس فقط برفع الأجور أو تراجع معدل التضخم، بل بحفاظها على القوة الشرائية للفئات الأكثر ضعفاً. حذرت من أن استمرار تآكل قيمة الدعم النقدي قد يقوض فعالية برامج الحماية الاجتماعية إذا لم يصحبه تحديث دوري لقيمة التحويلات بما يتماشى مع تطورات الأسعار.
من جانبه، أشار مدحت نافع، أستاذ التمويل والاستثمار وعضو لجنة الاقتصاد الكلي الاستشارية، إلى أن القاعدة الأساسية في أي اقتصاد مستقر تتمثل في أن يكون الدخل الحقيقي هو المحدد الرئيسي لأنماط الاستهلاك والادخار.
أوضح نافع أن هذه القاعدة تختل عندما يتآكل الدخل الحقيقي بسبب ارتفاع أسعار السلع والخدمات؛ حينها تصبح الأسعار العامل الأكثر تأثيراً في السلوك الاقتصادي، بينما يتناقص دور الدخل في توجيه قرارات الإنفاق والادخار.
شدد على أن استمرار ارتفاع أسعار السلع الأساسية، لا سيما الغذاء والطاقة والإيجارات والمرافق والنقل، يؤدي إلى استحواذ هذه البنود على نسبة متزايدة من دخول الأسر، مما يقلص قدرتها على الادخار ويحد من إمكانيات التخطيط المالي وإدارة الالتزامات المستقبلية.
أشار نافع إلى أن التأثيرات السلبية لا تقتصر على الأسر، بل تمتد إلى قطاع الأعمال؛ فالشركات تواجه صعوبة متزايدة في إعداد خطط إنتاجية واستثمارية مستقرة بسبب التقلب المستمر في تكاليف التشغيل وحالة عدم اليقين حول الطلب المتوقع على السلع والخدمات.
حذّر نافع من أن أخطر جوانب هذه البيئة الاقتصادية يتمثل في اتساع نطاق عدم اليقين، مما يضعف كفاءة القرارات الاقتصادية لدى الأفراد والشركات معاً. قال إن الأولوية تتحول من التخطيط طويل الأجل إلى إدارة الضغوط اليومية الناجمة عن تقلبات الأسعار، وهو ما ينعكس سلباً على معدلات الادخار والاستثمار ويؤثر في قدرة الاقتصاد على تحقيق نمو مستدام.
اقرأ أيضًا:
