بكين/سما سجلت القروض الجديدة باليوان في الصين انكماشاً قياسياً لم تشهده من قبل، حيث انخفضت بمقدار 340 مليار يوان (نحو 50.4 مليار دولار) خلال يوليو، متجاوزة بكثير التوقعات التي كانت تشير إلى زيادة بـ 45 مليار يوان فقط.

وفقاً لبيانات بنك الشعب الصيني، يمثل الانكماش ثاني حالة انقباض للقروض خلال العام الحالي بعد أبريل، في إشارة واضحة إلى أن المشكلة لا تقتصر على الموسمية بل تعكس ضعفاً أساسياً في الطلب على الائتمان في ثاني أكبر اقتصاد في العالم.

خلال الأشهر السبعة الأولى من 2026، بلغ إجمالي القروض الجديدة 10.38 تريليون يوان، بانخفاض يقارب 19 في المائة عن 12.87 تريليون يوان في الفترة نفسها من العام الماضي. كما تباطأ نمو رصيد القروض باليوان إلى 5.1 في المائة على أساس سنوي، محققاً أدنى مستوى مسجل له.

تعكس هذه الأرقام مفارقة حادة: الحكومة الصينية تطبق سياسة نقدية تيسيرية وتخفض أسعار الفائدة، لكن الأسر والشركات لا تستجيب بالاقتراض. انكمشت قروض الأسر، بما فيها الرهون العقارية، بمقدار 460.3 مليار يوان في يوليو بعدما ارتفعت 264.6 مليار يوان في يونيو، بينما تراجعت قروض الشركات بنحو 130 مليار يوان مقابل زيادة ضخمة بلغت 1.5 تريليون يوان في الشهر السابق.

يعزو المحللون هذا الانكماش إلى عوامل هيكلية أعمق من مجرد نقص السيولة. الضغوط المستمرة في سوق العقارات، والقلق من الوظائف والدخل، تدفع الأسر إلى تقليص مديونيتها بدلاً من زيادتها. وفي الوقت نفسه، يؤدي ضعف الطلب إلى تثبيط الشركات عن التوسع والاستثمار.

أشارت مؤسسة «كابيتال إيكونوميكس» إلى أن البنك المركزي الصيني لا يبدو في حالة قلق حاد، مع توقع خفض أسعار الفائدة بنحو 30 نقطة أساس خلال العام المقبل. غير أن الأرقام الأسوأ تظهر في مؤشر كفاية الائتمان: ارتفعت نسبة القروض المتعثرة لدى البنوك التجارية إلى 1.52 في المائة بنهاية الربع الثاني، بزيادة 0.01 نقطة مئوية عن الربع السابق.

أعلن بنك الشعب الصيني أنه سيواصل سياسة نقدية «تيسيرية على نحو مناسب» وسيطرح إجراءات جديدة في الوقت الملائم، لكنه لم يقدم إشارات صريحة إلى خفض قريب لأسعار الفائدة أو نسبة الاحتياطي الإلزامي. يعكس هذا التوجه ميل السلطات الصينية نحو الاعتماد على الإنفاق المالي وتمويل السندات بدلاً من الضغط على البنوك وحدها لزيادة الإقراض.

تشير البيانات إلى تحول هيكلي في تمويل الاقتصاد الصيني: في عام 2025، لم تمثل القروض سوى 45 في المائة من الزيادة في إجمالي التمويل الاجتماعي، في حين شكلت السندات وتمويل الأسهم معاً 47 في المائة، متجاوزة القروض للمرة الأولى.

لكن مؤشرات نقدية أوسع تظهر تباطؤاً أيضاً: نما المعروض النقدي الواسع (M2) بنسبة 7.7 في المائة على أساس سنوي في يوليو، وهو أضعف معدل في 16 شهراً، مقارنة بـ 8 في المائة في يونيو وأقل من توقعات السوق البالغة 7.9 في المائة.

تضع هذه الأرقام صناع السياسة الصينيين أمام تحدٍ أعمق من مجرد خفض أسعار الفائدة: كيفية تحويل وفرة السيولة إلى طلب فعلي على الاستثمار والاستهلاك. فالمشكلة الأساسية ليست غياب الأموال، بل غياب الثقة التي تدفع الأسر والشركات إلى استخدامها.

شاركها.