أثبتت دراسة حديثة أن اتباع نظام غذائي نباتي صارم لمدة شهر واحد قد يترتب عليه تغيرات ملحوظة على مستوى الحمض النووي، حيث ظهرت مؤشرات بيولوجية توحي بتراجع الالتهابات في الجسم وتباطؤ في معدل الشيخوخة على المستوى الخلوي، بما يتناقض مع ما يحدث لدى الأشخاص الذين يتناولون اللحوم بكثافة.

نشرت الدراسة في دورية MedComm العلمية، واشتملت على توزيع عشوائي لـ 48 شخصًا بالغًا على مجموعتين: الأولى اتبعت نمطًا غذائيًا نباتيًا صارمًا طوال شهر كامل، والثانية تناولت غذاء غنيًا باللحوم خلال الفترة ذاتها، مع تحقيق توازن في السعرات الحرارية بين المجموعتين لاستبعاد تأثير خسارة الوزن على النتائج.

قام الفريق البحثي بسحب عينات دم من المشاركين قبل وبعد فترة التجربة، ثم فحصها للكشف عن تبدلات في أكثر من 800 ألف نقطة في الجينوم حيث تتم عملية المثيلة، وهي آلية حيوية تتحكم في تفعيل الجينات أو إطفاؤها. أظهرت النتائج أن النظام النباتي ارتبط بتراجع الخلايا المسؤولة عن الالتهاب، وارتفاع الخلايا التي تحافظ على توازن الجهاز المناعي، مع كبح الجينات ذات الصلة بالسرطان وتعزيز النشاط الجيني المسؤول عن خفض مستويات الكوليسترول وتحسين استقبال الإنسولين وتقوية آليات إصلاح الحمض النووي.

الاكتشاف الأكثر لفتًا للانتباه كان تأثر “الساعة البيولوجية للشيخوخة” بالنظام الغذائي النباتي، وهي أداة قياس تستخدم معلومات الحمض النووي لتقدير سرعة تقدم العمر على المستوى الحلوي. اتضح أن الانتقال إلى طعام ذي أصل نباتي يبطّئ هذه الساعة خلال فترة شهر واحد فقط، الأمر الذي يدل على أن التعديلات الغذائية أثرت على المسارات الحيوية المرتبطة بالصحة وليست نتيجة مجرد مرور الزمن. وفق قول الباحث جيروم ميرتينز، فإن هذا التأثير يشير إلى أهمية دور التغذية في الشيخوخة على المستوى الجزيئي.

غير أن الباحثين يعترفون بقيود الدراسة، مشيرين إلى أنها كانت محدودة من حيث عدد المشاركين وأن التغيرات الجينية التي رصدوها كانت متواضعة الحجم، الأمر الذي يتطلب إجراء دراسات أوسع وذات مدة أطول للتأكد من ما إذا كان بإمكان النظام النباتي فعلًا تقليل خطر الأمراض. ومن المهم الإشارة إلى أن المشاركين في الدراسة كانوا حرين في اختيار وجبات نباتية معالجة صناعيًا، وهو عامل قد يؤثر على دقة النتائج.

يرى الدكتور ماكس ستورتز، المؤلف المشارك في الدراسة، أن النتائج تدعم الأدلة المتراكمة على أن النظام الغذائي قادر على إعادة تشكيل البيولوجيا على المستوى الجزيئي. يؤكد ستورتز على أهمية الخطوة التالية وهي التحقق من استمرار هذه التغيرات الجينية بمرور الوقت وتحولها إلى محسنات حقيقية وملموسة في الصحة، وهذا يستدعي تنفيذ دراسات سريرية أكثر شمولية وأطول مدى.

كانت أبحاث سابقة قد أشارت إلى أن الأشخاص الذين يتبعون نمط غذاء نباتي تقل لديهم احتمالية الإصابة بأمراض القلب والسكري والسرطان، لكن المتخصصين في المجال الطبي يُحذّرون من احتمالية حدوث نقص في فيتامين B12 لدى النباتيين، وهو عنصر غذائي حيوي لسلامة الأعصاب والدم ولا يتوفر طبيعيًا في النبات بل يوجد في اللحوم والأسماك والبيض والحليب. من هنا ينصح الخبراء النباتيين بتناول مكملات B12 بشكل يومي.

اقرأ أيضًا:

شاركها.