جدة/سما أصدرت هيئة الفنون البصرية في السعودية مرجعاً جديداً ينظم العلاقة بين التطوير الحضري والفن العام، يغطي مراحل التخطيط والتكليف والتنفيذ والإدارة والصيانة، في سياق مشاريع إعادة تشكيل الفضاءات العامة عبر عدد من مدن المملكة.
تبرز مدينة جدة كنموذج لافت في تطبيق هذه الرؤية، فقد عُرفت المدينة عبر عقود بمجسماتها المنتشرة في الميادين والواجهة البحرية، وتسعى الآن للموازنة بين حفظ هذا الإرث وإعادة تطوير شوارعها. أوضحت أمانة محافظة جدة أن استراتيجيتها تركز على الحفاظ على المعالم الجمالية والتاريخية في مواقعها الأصلية، احترازاً على قيمتها الثقافية كجزء من الذاكرة البصرية للسكان.
شملت الأعمال الأخيرة إعادة تأهيل «ميدان مجسم القبلة»، حيث تم تطوير الأرضيات بما يتناسب مع تصميم الفنان مع الحفاظ على المجسم نفسه. كذلك خضع «ميدان ومجسمات القناديل» للتطوير، إذ لم يقتصر التدخل على المساحة المحيطة بل امتد إلى معالجة الأرضيات والهيكل الإنشائي لضمان استدامتها.
قال محمد البقمي، مدير الاتصال والمتحدث الرسمي لأمانة محافظة جدة: «لا تتعامل الأمانة مع تطوير الميدان بوصفه عملية تجميلية منفصلة عن وظيفته داخل المدينة؛ إذ تخضع مشاريع التأهيل لمعايير تشمل موقع الميدان ودوره الحضري، والسلامة والحركة المرورية، وحركة المشاة وإمكانية الوصول، والهوية العمرانية لمدينة جدة». أضاف أن عملية التطوير تتضمن تنسيق الموقع والتشجير واختيار المواد المناسبة وفقاً لطبيعة كل مجسم، لضمان استدامة العمل الفني وحفاظه على علاقته بالمشهد المحيط.
يظهر هذا التوازن أيضاً في «ميدان التاريخ» شمال جدة، حيث بدأت الأمانة في أبريل/نيسان الماضي تطوير التقاطع بين طريق الأمير سلطان وشارع حراء لمعالجة الاختناقات المرورية، مع الإبقاء على المجسم في موقعه كعنصر من عناصر هوية المكان وذاكرته.
لكن البقمي أوضح أن النقل يبقى استثناءً وليس الأصل، حيث لا ينتقل أي معلم إلا في حالات ترتبط بمشاريع تطويرية كبرى يتعذر معها الحفاظ على المجسم في موقعه. وحتى في تلك الحالات، لا ينتهي التعامل مع العمل بإزالته، بل ينقل إلى موقع بديل يحاكي هويته الفنية ويضمن سلامة الحركة المرورية مع المحافظة على قيمته الجمالية وإتاحته للزوار والسكان.
اعتنت جدة بالفن العام عبر تاريخها الطويل، فاحتضنت شوارعها وميادينها وكورنيشها أعمالاً لفنانين سعوديين وعرب وعالميين، ما جعل الفن جزءاً من المشهد اليومي خارج قاعات العرض. واستقر جزء من هذا الإرث في «متحف جدة للمجسمات» المفتوح على الكورنيش، الذي يضم 26 عملاً فنياً من بينها أعمال لفنانين عالميين مثل هنري مور وخوان ميرو وألكسندر كالدر، بعد خضوعها لأعمال ترميم وإعادة تأهيل.
لا تقتصر رؤية جدة على حماية الإرث القائم، إذ أكد البقمي أن خطط تطوير الفن العام تستند إلى استراتيجية تستهدف «تحويل الفضاءات المفتوحة إلى متاحف عامة حية» تعزز الهوية البصرية والمشهد الحضري، تماشياً مع مستهدفات برنامج جودة الحياة و«رؤية السعودية 2030». تشمل الخطط إحياء الميادين التاريخية والحديثة وتطوير ميادين جديدة بالاستعانة بالفنانين والمصممين، وتُطرح هذه المشاريع عبر مسابقات ومعارض فنية تنظمها جهات مختلفة منها أمانة جدة، بهدف استقطاب المبدعين لتقديم تصاميم مبتكرة.
يعكس هذا التوجه ما يطرحه المرجع السعودي الجديد للفن في الأماكن العامة، الذي لم يعد يقتصر على اختيار المجسم الموضوع في الميدان، بل يمتد إلى علاقته بالموقع وهويته وكيفية تنفيذه وإدارته وصيانته والحفاظ عليه. تكتسب هذه المعادلة أهمية خاصة مع التحولات الحضرية التي تقودها «رؤية 2030»، وما توليه من اهتمام بجودة الحياة وتطوير فضاءات عامة أكثر حيوية وجاذبية، تجمع بين كفاءة المدينة الحديثة والمحافظة على هويتها الثقافية وذاكرتها البصرية.
