يجد الباحث الأدبي الدكتور ميخائيل فولبي المتخصص في أدب القرنين التاسع عشر والعشرين أوجه تشابه عميقة بين رواية الكاتب الروسي ميخائيل ليرمونتوف “بطل من هذا الزمان” التي نُشرت عام 1840 والعمل السينمائي الحديث “صمت الحملان”، مؤكداً أن الرواية الروسية تستحق أن تُعتبر عملاً مبكراً من أعمال الرعب النفسي قبل أن يصير هذا النوع الأدبي والسينمائي معروفاً بهذا الاسم.

يترتب على هذا التقييم استنتاج مهم عن طبيعة شخصية البطل الرئيسي غريغوري ألكساندروفيتش بيتشورين، إذ يرفض فولبي التفسير التقليدي الذي يعرّفه بأنه مجرد “رجل زائد”، وهو مصطلح أدبي روسي اشتهر في القرن التاسع عشر لوصف شخصية ذكية ومثقفة لكنها عاجزة عن إيجاد مكانها في المجتمع. بدلاً من ذلك، يقدم الباحث تحليلاً بديلاً يؤكد أن بيتشورين يتمتع بقدرات وصفات يطلبها المجتمع نفسه، لكنه يختار بوعي تام إيذاء الآخرين والإضرار بهم، بل يجد في بعض الأحيان متعة في هذا السلوك الضار.

تبرز خطورة هذه الشخصية، وفق تحليل فولبي، من حقيقة أن أفعالها الشريرة لا تنبع من فقدان للعقل أو غياب للإدراك، بل من وعي كامل بما تفعله. يعاني بيتشورين في الوقت ذاته من صراع داخلي عميق وشعور بالاستسلام واليأس، وهو ما ينعكس بوضوح في تأملاته حول مصيره وحياته المستقبلية.

استند فولبي في تحليله إلى ملاحظات الناقد والصحفي الروسي فادِيِم بولغارين الذي كتب عن “مذكرات بيتشورين”، القسم الأساسي من الرواية. اعتبر بولغارين أن المذكرات تقدم دراسة شاملة لتشريح القلب البشري، وتكشف عن عقل بارد يحل محل الروح لدى بعض الأفراد. وصفها بأنها “مرعبة ومفيدة” في آن واحد. جاءت هذه المراجعة الإيجابية في صحيفة “النحلة الشمالية” ذات أثر كبير في نجاح الطبعة الأولى للرواية بعدما لم تحقق المبيعات المتوقعة في بداياتها.

يقرّب فولبي بين نموذج بيتشورين من الناحية النفسية وشخصية هانيبال ليكتر، الشخصية الشريرة الشهيرة التي ابتكرها الكاتب الأمريكي توماس هاريس وظهرت في رواية “صمت الحملان” ثم في الفيلم المقتبس عنها. لا يستند رعب ليكتر، شأنه شأن بيتشورين، على صورة المجرم فاقد السيطرة أو المنفصل عن الواقع، بل على ذكائه الحاد وثقافته العميقة وقدرته على التحليل النفسي والاحتفاظ بهدوئه. يصبح العقل نفسه مصدراً للخوف، لأن الشخصية تستخدم وعيها الكامل وفهمها العميق للآخرين كأدوات لممارسة الشر والتلاعب بمن حولها.

لا ينوي الباحث أن يزعم أن ليرمونتوف استشرف بصورة مباشرة شخصية هانيبال ليكتر، بل يؤكد أن “بطل من هذا الزمان” قدمت في وقت مبكر نموذجاً أدبياً متقدماً لشخصية تجمع بين الذكاء الحاد والوعي الكامل بالذات والقدرة على تحليل النفس البشرية والآخرين، إضافة إلى الميل المتعمد والمقصود إلى إيذاء من حولها.

يشير فولبي كذلك إلى السلوك الانتحاري الذي تظهره شخصية بيتشورين، معتبراً إياه مؤشراً على اضطراب داخلي عميق الجذور. لاحظ الباحث أن الشخصية تحمل سمات تقاطع بعضها مع شخصية المؤلف نفسه. على عكس ما قد يتوقعه المرء، لا تعاني الشخصية من غياب الوعي بذاتها، بل على النقيض تماماً، تظهر وعياً حاداً بدوافعها وأفعالها، لكنها عاجزة عن العثور على معنى أعمق يغير مسار حياتها.

من هنا يستخلص الباحث أن أهمية رواية ليرمونتوف تتجاوز كونها صورة أدبية للإنسان الروسي في القرن التاسع عشر. تكمن قيمتها الحقيقية في قدرتها على الغوص العميق في الجانب الأكثر ظلاماً من النفس البشرية، وذلك قبل فترة طويلة من أن يصير “الرعب النفسي” نوعاً أدبياً وسينمائياً متخصصاً معروفاً. بهذا المعنى، تستحق الرواية أن تُقرأ كعمل متقدم على عصره، يطرح سؤالاً أساسياً ظل حاضراً بقوة في الأدب والسينما حتى اليوم: أيهما أكثر إثارة للرعب، الإنسان الذي يفقد عقله ويفقد سيطرته على أفعاله، أم الإنسان الذي يدرك تماماً ما يفعله ثم يختار الشر بإرادة واعية ومتعمدة.

شاركها.