سجل الروس أعلى مستويات سحب للأموال النقدية من البنوك منذ بداية الحرب مع كييف، وسط تصاعد الهجمات الأوكرانية بالطائرات المسيرة ومخاوف متزايدة من إقدام الكرملين على تجميد الودائع لتمويل الحرب في أوكرانيا.

نزيف مستمر من النظام المصرفي

وبحسب بيانات البنك المركزي الروسي، بلغ حجم الأموال المسحوبة نحو 3.4 مليار دولار أي 286.4 مليار روبل خلال أول أسبوعين من أغسطس الجاري، وسبق ذلك سحب 7.3 مليار دولار في يوليو، وأكثر من 4.5 مليار دولار في يونيو، ليمتد بذلك التدفق الخارج من النظام المصرفي للشهر السابع على التوالي.

وشهد 12 أغسطس وحده أكبر خروج يومي للسيولة بقيمة 56.8 مليار روبل، في حين تجاوز إجمالي ما تم سحبه منذ بداية العام 2.4 تريليون روبل، متجاوزاً تريليوني روبل التي سُحبت خلال العام الأول من الغزو في 2022.

أسباب الأزمة: من المسيرات إلى الشائعات

يعزو محللون ومسؤولون سابقون هذا التحول السلوكي إلى 3 عوامل رئيسية:

 تصاعد عدم الاستقرار: استمرار الضربات الجوية الأوكرانية بطائرات مسيرة على مصافي النفط والمنشآت الاقتصادية داخل روسيا.

التشاؤم الاقتصادي: ارتفاع الضرائب والتضخم وتشديد الرقابة الحكومية على المعاملات المالية.

مخاوف المصادرة: انتشار شائعات على قنوات تيليجرام عن تجميد وشيك للودائع، رغم نفي وزير المالية أنطون سيلوانوف ذلك ووصفه بـ”الأخبار الكاذبة”.

ونقلت صحيفة “واشنطن بوست” عن مسؤول مالي سابق قوله: “الطائرات المسيرة تحلق والأشياء تحترق والتوتر يتزايد. وقد يبدأ الناس بإدراك حكمة الاحتفاظ بالنقود تحت الوسادة بدلاً من البنوك حيث قد لا تعود أبداً”.

ضغط على السيولة وتراجع الثقة

أدى الطلب المتزايد على سحب الودائع “الكاش” إلى استنزاف سيولة البنوك بالروبل، ما دفع البنك المركزي لتوسيع الإقراض للقطاع المصرفي. وأفادت وكالة “آر بي سي” بأن عجز السيولة بالروبل بلغ أعلى مستوى له منذ مارس 2022، ما أعاق قدرة بعض البنوك على شراء السندات الحكومية.

كما فاقم قرار الكرملين بإغلاق الإنترنت عبر الهاتف المحمول في مناطق واسعة ومنع استخدام البطاقات من الحاجة إلى النقد، في تراجع لافت لدولة كانت رائدة في المدفوعات غير النقدية قبل أقل من عقد.

الأوليجارشية والاقتصاد.. قلق وتبرعات قسرية

لم يقتصر الأمر على الأفراد، فقد بدأت الشركات الكبرى والنخب المليارديرة بتحويل أموالها إلى الخارج تحسباً لمصادرة محتملة، حيث تم سحب نحو 800 مليار روبل في الربع الثاني فقط، ويأتي ذلك في ظل حملة تأميم واسعة وضعت تريليونات الروبل تحت سيطرة الدولة.

في المقابل، حقق الكرملين مكسباً مؤقتاً عبر إجبار الأوليجارشية على تقديم “تبرعات” لدعم اقتصاد الحرب، ما ضخ مئات المليارات من الروبلات في الميزانية الفيدرالية بحلول منتصف أغسطس، وفق “فيدوموستي”.

وأظهر استطلاع نشر في يونيو أن 60% من الروس يعتقدون أن الأوضاع الاقتصادية تتدهور، وهو أدنى مستوى للتفاؤل منذ بداية العام.

إقالة اقتصادية على خلفية تصريحات

في تطور لافت، أقال الرئيس الروسي فلاديمير بوتين نهاية الأسبوع كبير الاقتصاديين في ثاني أكبر بنك روسي، أندريه كليباتش، بعد تصريحات انتقد فيها الوضع الاقتصادي وحذر من خسارة موسكو لـ”حرب استنزاف” ضد أوكرانيا.

ويرى مراقبون أن سحب الودائع بهذا الحجم يعكس هشاشة الثقة في النظام المالي، ويؤشر إلى أن آثار الحرب بدأت تصل مباشرة إلى جيوب المواطنين الروس.

شاركها.