ها قد وصلت إلى مدينة في أقصى الشرق، كما ذلك الجزء البعيد من روحي الذي ظلّ يبحث عن معنى النجاة. هناك جسور لا نعبرها بأقدامنا فقط، إنما نعبرها بكل ما حملناه من خوف وذاكرة وفقدان، بكل الذين نحاول أن نحملهم معنا كي لا يصبحوا غيابا كاملا.

لقد تخطيت الجسر الذي يفصلنا عن الضفة الأخرى، نجوت ودخلت إلى عمّان، ثم مضيت عاليا حيث المباني الشاهقة في دبي، تلك المدن التي تبدو كأن الإنسان فيها استطاع أن يفاوض الغيم. هناك نفضت عن جسدي غبار المقابر الجماعية، وغبار الأمكنة التي لم تُدفن فيها الأجساد فقط، بل دُفنت معها الأحلام الكثيفة.

والآن في بكين، لملمت جسدي المبعثر، وعددت أصابعي واحدا تلو الآخر، كما يفعل الناجون بعد الكوارث الكبرى، لأتأكد أنني ما زلت أملك القدرة على لمس العالم.

وصلت إلى مدينة تحتضن كل زائر، لا تسأله كم فقد في الطريق، ولا كم جرحا يحمل في قلبه، هي تفتح شوارعها وسماءها، كأنها تقول: ما زال في هذا العالم مكان للحياة.

لا أعرف إن كنت على الأرض أو في السماء.
ضحكات الأطفال هنا تتماوج في الهواء كقصائد لم تُكتب بعد، وعواطف أمهات تمشي في الشوارع كأنها أناشيد من حنين. وجوه الناس لا تحمل القلق الذي اعتدناه، وعيونهم لا تراقب السماء خوفا مما قد يسقط منها.

هذه ليست رام الله، ليست نابلس، ليست جنين وليست غزة أيضا.. 
هنا.. لم يصل الصاروخ إلى الشوارع، ولم تتحول البيوت إلى ذاكرة، ولم يتعلم الأطفال أن يميزوا أصوات القصف والمدافع قبل أن يتعلموا أصوات الحياة.

هنا يمضي الإنسان نحو المستقبل القريب والبعيد، أما نحن فنسعى جاهدين أن نصل ربما إلى الغد فقط.

نحن الأحياء في زمن الإبادة، نحمل في أجسادنا آثار من رحلوا، ونحمل في أرواحنا أصوات الذين لم يستطيعوا عبور الجسر معنا. نشتق المعنى من بين الركام، نعبر الهواء المثقل برائحة الحروب، لقد بات حامضا أكثر مما ينبغي، وبعد..  نستدعي كل الأحياء على هذه المعمورة كي لا تتمزق الأحلام المبتورة قبل أن تجد طريقها إلى الضوء.

في بكين، أدركت أن الإنسان لا يغادر وطنه حين يسافر، فالوطن يسافر معي. أحمله في صوتي، وفي ذاكرتي، وفي الطريقة التي أنظر بها إلى الأماكن الجديدة. لذلك، كلما اتسعت المدن أمامي، ضاقت المسافة بيني وبين فلسطين.

وحين قادتني الرحلة إلى سور الصين العظيم، كنت كلما مررت بدرجة بعد أخرى، شعرت أن زمنا كاملا كان هنا فوق الحجر. حيث الأرض التي يحرسها الوعي قبل السور..

وكنت أنظر إلى الأبراج العالية، فأرى البيوت التي لم تبقَ لتكبر. كنت أرى الطرق الممتدة، فأفكر في الطرق التي قطعتها الحواجز. وكنت أرى الجبال التي تحتضن المدن، فأبحث عن جبال فلسطين التي تحمل البيوت والأشجار والذاكرة والخوف.

وفي كل طريق جديد كنت أراه يُشق بين الجبال، كنت أستحضر قريتي المغير إلى الشمال الشرقي لمدينة رام الله، أما هنا في الصين: تُبنى الطرق لتصل بين المدن، وتُقام الجسور لتختصر المسافات بين الناس. أما هناك، فيعمل الاحتلال الإسرائيلي على نقيض ذلك تماما؛ يخنق قريتي، ويسلب أهلها أكثر من تسعين في المئة من أرضهم، ويقيم على مدخلها حاجزا عسكريا يكاد يصبح دائما، حتى غدا الوصول إلى أهلي مرتبطا بإرادة جندي، لا بإرادتي. أدركت يومها أن الفرق بين من يبني الطريق ومن يقيم الحاجز، هو الفرق بين مشروع يصنع الحياة، ومشروع لا يعيش إلا على أنقاض شعب وركام .. 

هناك فهمت الفرق بين الجغرافيا حين تكون حضنا، والجغرافيا حين تتحول إلى اختبار للوجود.

الصيني يصعد الجبل ليشاهد جمال العالم. فيما نحن الفلسطينيون نصعد الجبل كي لا نفقد العالم. هناك يكون البيت مكانا للحياة، أما في بلادنا فيصبح البيت شهادة، ووثيقة، وفعل مقاومة يقول: ما زلنا هنا.

لم تقتلنا الحرب..
ربما لأنها لم تستطع قتل ذلك الجزء العميق في الإنسان الذي يبحث عن الحياة حتى في أكثر الأماكن ظلمة.

ومن ثَمّ وصلت إلى سوتشو، حيث يقول الصينيون: “في السماء جنة، وعلى الأرض سوتشو وهانغتشو”. ظننتها عبارة شعرية يانعة، حتى مشيت بين أنهارها وجسورها وحدائقها، فاكتشفت أنّ بعض المدن لا تُبنى بالحجارة فقط، بل تُبنى بعلاقة الإنسان مع المكان.

هنا.. الماء يحمل ذاكرة المدينة، والأشجار تبدو كأنها تحرس معنى الاستمرار، فيما الجسور تمتشق ضفتين تصلان بين الإنسان والزمان.

إنّ أنطولوجيا الحياة هنا هي فلسفة المكان والإنسان معا، أن تكون الأرض مكانا لا يخاف فيه الإنسان من الغد. أن يصبح الجمال حقا يوميا، لا حلما مؤجلا. وأن تكون المدينة امتدادا لروح سكانها، لا ساحة اختبار لبقائهم.

وفي تلك اللحظة سألت نفسي: كم مدينة فلسطينية كان يمكن أن تصبح جنة صغيرة لو تُركت للحياة؟ وكم طفلا كان يمكن أن يركض في حدائقها بدل أن يركض لينجو من القصف؟

هناك أدركت أن الاحتلال لا يسرق الأرض فقط، بل يسرق أيضا الصورة التي كان يمكن أن تكون عليها الحياة.

أعود من الصين وأنا أحمل دهشة المكان، لكنني أحمل فلسطين أكثر، والقدس في خاطري دوما.. 

أربعة عشر يوما في كوكب الصين كانت حقا رحلة إلى سؤال واحد: كيف يستطيع الإنسان أن يصنع من الأرض جنة، بينما هناك من لا يزال يُنتزع حقه في أن يعيش في أرضه وعليها؟

شاركها.