في صلاة الجمعة الماضية، استوقفني حديث خطيب الجمعة عن مفهوم «فساد البصيرة»؛ ذلك العطب الذي لا يصيب العين، وإنما يصيب القدرة على رؤية الأشياء على حقيقتها.
كان حديث الخطيب، منصبًا على الجانب الإنساني والاجتماعي من فساد البصيرة؛ حين يفقد الإنسان القدرة على رؤية الأمور بميزانها الصحيح، فيرى الهامشي جوهريًا، والصغير كبيرًا، والوسيلة غاية، فيكذّب الصادق ويصدّق الكاذب، ويخوّن الأمين ويؤتمن الخائن، وقد تختلط عليه الحقائق فتضطرب لديه معايير الحكم والتمييز، وربما ينشغل بالخصومة مع القريب عن مواجهة الخطر الأكبر.
ومن هنا قادني حديثه إلى التأمل في المشهد السياسي الفلسطيني الراهن، وما يدور حوله من حراك وجدل، وما امتلأت به منصات التواصل الاجتماعي من روايات وتحليلات وتسريبات، وحديث متزايد عن اصطفافات انتخابية وسياسية جديدة، حتى بدا المشهد في بعض جوانبه وكأن المعركة الأساسية أصبحت في ترتيب المقاعد داخل البيت الفلسطيني، لا في مواجهة المشروع الأكبر الذي يستهدف القضية الفلسطينية وحقوق الشعب الفلسطيني؛ وهنا تكمن خطورة فساد البصيرة.
فالمشكلة ليست في تعدد الاجتهادات السياسية، ولا في تشكل القوائم أو التحالفات الانتخابية، ولا في اختلاف القوى والفصائل والشخصيات حول رؤيتها للمستقبل؛ فالاختلاف السياسي والتنافس الانتخابي حق طبيعي في أي حياة سياسية سليمة، بل إنهما من أدوات تجديد النظام السياسي وتعزيز المشاركة الوطنية.
لكن الخطر يبدأ عندما يتحول التنافس السياسي إلى غاية بحد ذاته، وعندما ننشغل بتفاصيل الاصطفافات وأسماء المتحالفين ومن يقف مع من، ونغفل عن جوهر المشهد؛ عن المعركة الأوسع التي تستهدف مركزية المشروع الوطني الفلسطيني ومرجعيته وشرعيته.
فما يثير القلق في بعض ما يُروَّج له اليوم حول اصطفافات انتخابية عابرة للتناقضات السياسية والفكرية، لا يكمن في مجرد تشكيل تحالفات انتخابية، وإنما في تقاطعها، بقصد أو بغير قصد، مع غايات سعت وتسعى منذ زمن إلى إضعاف الحركة الوطنية الفلسطينية الجامعة، ونزع شرعيتها، وإعادة اختزال الصراع الفلسطيني في كونه صراعًا على السلطة والنفوذ والمقاعد، بدلًا من كونه نضالًا وطنيًا من أجل الحقوق الفلسطينية المشروعة وغير القابلة للتصرف.
فالشرعية الوطنية الفلسطينية ليست مجرد مؤسسة أو فصيل أو شخص أو قيادة سياسية، وإنما هي تعبير عن تراكم تاريخي لنضال شعب كامل، وعن حقوق وطنية وسياسية دفع الفلسطينيون ثمنها من دمائهم وأعمارهم ومنافيهم وسجونهم، وهي الإطار الذي أبقى القضية الفلسطينية قضية شعب وحقوق، لا مجرد أزمة إنسانية تبحث عن إدارة.
وتزداد خطورة المشهد في لحظة تاريخية شديدة الحساسية، بينما تواصل إسرائيل إنكار الحقوق الوطنية الفلسطينية، وترفض عمليًا المشاريع التي تفضي إلى قيام دولة فلسطينية مستقلة ذات سيادة، وفي ظل غياب إرادة دولية قادرة على فرض مسار سياسي يضمن هذه الحقوق ويضع حدًا للاحتلال والاستيطان ومصادرة الأرض.
وهذا هو أحد أوجه فساد البصيرة في السياسة؛ أن نرى حركة هنا، وتصريحًا هناك، وتحالفًا انتخابيًا في مكان آخر، وننخرط في معارك التعليق والتحليل والتخوين والتشكيك، بينما تغيب عن المشهد الصورة الأكبر، حيث تتقاطع مصالح وقوى متعددة لإعادة صياغة القضية الفلسطينية بما يتناسب مع موازين القوى، لا مع حقوق الشعب الفلسطيني.
ولا يعني ذلك أن كل من يختلف مع الحركة الوطنية هو بالضرورة جزء من مشروع مضاد، ولا أن كل تحالف انتخابي جديد يمثل مؤامرة، ولا أن كل شخصية سياسية تتحرك خارج الأطر التقليدية تعمل وفق أجندة خارجية.
المطلوب هو التمييز؛ التمييز بين المعارضة الوطنية والمشروع الوظيفي، وبين النقد السياسي ونزع الشرعية، وبين التنافس الديمقراطي ومحاولة تفكيك الإطار الوطني الجامع، وبين من يختلف معنا في الوسائل ومن يختلف معنا في تعريف القضية ومرجعيتها وأهدافها.
ولعل أخطر ما في بعض الاصطفافات التي يُروَّج لها اليوم أنها قد تجمع، تحت عنوان انتخابي واحد، أطرافًا شديدة التباين في المرجعيات والرؤى والمشاريع، وقد يبدو ذلك في ظاهره انتصارًا للبراغماتية السياسية، لكنه يصبح شديد الخطورة إذا كان القاسم المشترك بينها هو إضعاف الطرف الذي ما زال يتمسك بالإطار الوطني الفلسطيني، وبحل سياسي شامل يقوم على الحقوق الوطنية الفلسطينية غير القابلة للتصرف.
وعندما تصبح إزاحة الحركة الوطنية هدفًا بحد ذاته، بغض النظر عمن سيحل مكانها وما المشروع الذي يحمله، فإن الأمر يتجاوز حدود التداول الديمقراطي الطبيعي، ويفتح الباب أمام إعادة تشكيل النظام السياسي الفلسطيني في لحظة لا تحتمل فراغًا وطنيًا ولا مزيدًا من التشظي.
إن القضية الفلسطينية اليوم ليست بحاجة إلى المزيد من المعارك الجانبية، ولا إلى المزيد من العمى السياسي، وإنما إلى بصيرة وطنية ترى الخطر في مكانه الصحيح.
بصيرة تدرك أن الاحتلال لا يزال قائمًا، وأن مشروع الدولة الفلسطينية لا يزال يواجه إنكارًا إسرائيليًا، وأن الحقوق الوطنية الفلسطينية لا تزال موضع استهداف، وأن محاولات تحويل القضية من قضية تحرر وطني وحقوق سياسية إلى قضية إنسانية أو سكانية أو إدارية تشكل خطرًا على جوهرها.
ولهذا فإن اللحظة الراهنة تستدعي قراءة أعمق للمشهد، بعيدًا عن صخب المنصات وضجيج الاصطفافات، والنظر إلى ما ستتركه هذه التحركات من آثار على وحدة القرار الوطني الفلسطيني وقدرته على مواجهة الاحتلال والدفاع عن الحقوق الوطنية.
والحقيقة الكبرى أن فلسطين تخوض معركة على وجودها السياسي، وعلى حق شعبها في تقرير مصيره، وعلى دولته المستقلة، وعلى القدس والأرض والعودة وسائر الحقوق الوطنية غير القابلة للتصرف.
ومن لا يرى ذلك، أو يسمح للمعارك الثانوية أن تحجبه عنه، قد يجد نفسه، بقصد أو بغير قصد، جزءًا من معركة أخرى لم يخترها، لكنه أسهم في نتائجها.
وهنا تحديدًا، لا تكون أزمة السياسة في فساد المواقف فحسب، وإنما في فساد البصيرة.
