غيب الموت اليوم عبيد حميد المزروعي، مؤسس ورئيس تحرير صحيفة «الفجر» الإماراتية، وأحد رواد الصحافة والإعلام والفكر والأدب في دولة الإمارات العربية المتحدة، بعد مسيرة امتدت لأكثر من خمسة عقود، ترك خلالها بصمة بارزة في تاريخ الإعلام الوطني.
وبرحيل المزروعي، تفقد الصحافة الإماراتية قامة إعلامية وثقافية أسهمت في ترسيخ حضور الصحافة الوطنية، وواكبت مسيرة البناء والتنمية التي شهدتها دولة الإمارات منذ السنوات الأولى لقيام الاتحاد، مؤمناً بأن الصحافة مسؤولية ورسالة تتجاوز نقل الأخبار إلى الإسهام في بناء الوعي وخدمة المجتمع والوطن.
وُلد عبيد حميد المزروعي في إمارة عجمان عام 1935، وبدأ حياته المهنية في قطاع النفط بالمملكة العربية السعودية، قبل أن ينتقل إلى القطاع المصرفي. غير أن شغفه بالكلمة ودور الإعلام في المجتمع دفعه إلى اختيار الصحافة مشروعاً ومسيرة حياة، ليصبح لاحقاً أحد أبرز الأسماء التي أسهمت في تأسيس وترسيخ الصحافة الإماراتية.
وفي عام 1974 حصل المزروعي على تصريح إصدار صحيفة «الفجر»، التي صدر عددها الأول في 17 مارس 1975، حاملة اسماً ذا دلالة رمزية على مرحلة جديدة في تاريخ دولة الإمارات. وبدأت الصحيفة أسبوعية، قبل أن تتحول إلى صحيفة يومية عام 1978، وتواصل حضورها في المشهد الإعلامي الإماراتي لأكثر من نصف قرن.
ولم تكن تجربة المزروعي الصحفية مقتصرة على العمل الإعلامي، فقد كان شاعراً وأديباً، وحرص على أن تكون صفحات «الفجر» مساحة مفتوحة أمام الثقافة والأدب والشعر والتراث، إدراكاً منه لأهمية الصحافة في دعم الحركة الثقافية وإبراز المواهب المحلية والعربية.
ومن أبرز المبادرات الثقافية التي احتضنتها الصحيفة ملحق «فجر الشعراء»، الذي أسهم في دعم المواهب الشعرية والتعريف بأصوات شعرية من الإمارات والخليج والعالم العربي، ليصبح أحد الجوانب الثقافية المميزة في تجربة «الفجر».
كما ترك الراحل عدداً من المؤلفات، من بينها «وقائع الزمان وأعمدة البنيان» و**«عقد الجمان في المدح والبيان»**، بما يعكس اهتمامه بالأدب والتاريخ والثقافة، إلى جانب تجربته الطويلة في العمل الصحفي.
وتختزل مسيرة عبيد حميد المزروعي رؤية راسخة للصحافة باعتبارها أكثر من مجرد أخبار وصفحات، فهي في نظره رسالة ومسؤولية وذاكرة وطن، ومنصة للتعبير عن قضايا المجتمع ودعم مسيرة التنمية، فضلاً عن دورها في صون الهوية الثقافية والوطنية.
وعلى مدى أكثر من خمسين عاماً، ارتبط اسم المزروعي بـ«الفجر»، التي أصبحت شاهداً على مراحل مهمة من تطور الدولة والمجتمع والإعلام الإماراتي. كما ترك الراحل أثراً في أجيال من الصحفيين والكتاب والمثقفين الذين وجدوا في تجربته نموذجاً للعمل الإعلامي والثقافي المتصل بقضايا الوطن والمجتمع.
وبرحيله، تستذكر الأسرة الصحفية الإماراتية إرث رجل آمن بقوة الكلمة ودورها في صناعة الوعي وبناء الإنسان، وترك خلفه مؤسسة إعلامية وإرثاً أدبياً وثقافياً ومسيرة حافلة بالعطاء.
إن رحيل الإنسان لا يعني بالضرورة غياب أثره؛ فحين يترك وراءه فكرة ومؤسسة ورسالة، فإن حضوره يستمر في الذاكرة. وسيبقى اسم عبيد حميد المزروعي حاضراً في تاريخ الصحافة الإماراتية، كما ستظل «الفجر» شاهدة على حلم صحفي آمن بأن للكلمة قدرة على إضاءة الطريق وصناعة أثر يمتد عبر الأجيال.
رحم الله عبيد حميد المزروعي، وأسكنه فسيح جناته، وألهم أهله وذويه وأسرة «الفجر» ومحبيه الصبر والسلوان .
