على أوروبا، وتحديداً دولها الكبرى الثلاث فرنسا وألمانيا وبريطانيا، أن تدرك أن ما يحدث اليوم من تغير عالمي يستهدف مصالحها وأمنها سببه الأساس هو تمسكها الانتقائي بتطبيق القانون الدولي.
إن ما يغيب عن وعي صناع القرار في هذه الدول هو أن النظام الدولي الذي مكنها من هذه الانتقائية كان انعكاساً لاختلال ميزان القوة لصالحها. فهذا النظام، الذي يعمل تحت مسمى «القانون الدولي»، كان بطبيعته انتقائياً، وقد أتاح لأوروبا الاحتماء خلفه طالما لم تكن هي نفسها موضع الاستهداف.
اليوم، ومع عودة منطق القوة الصريحة، تفقد أوروبا الامتياز الذي تمتعت به: أن تكون طرفاً مُحاضراً للآخرين، لا مُختبراً للقانون الدولي مِثلهم.
في السابق، لم يتم استهداف أوروبا لأنها كانت جزءاً من المركز. كانت أميركا بحاجتها لفرض شروطها وقانونها على الآخرين. أما اليوم فهي تنزلق تدريجياً الى موقع القوة المتوسطة في عالم متعدد الأقطاب من دون أن تطور أدوات حماية سياسية أو أخلاقية مستقلة عن المظلة الأميركية التي استفادت منها لعقود.
لقد سمحت هذه المظلة لأوروبا بالانتقائية في تطبيق القانون الدولي التي لم تقوض الشرعية الأخلاقية لها فحسب، بل ضربت بصورة مباشرة أمنها ومصالحها الاقتصادية. كيف يمكن لأوروبا أن تُطالِب باحترام حدودها وأمنها وسلاسل إمدادها، وهي تبرر انتهاك الحدود وقطع المياه والكهرباء والتجويع الجماعي حين يكون الضحية دولة غير أوروبية.
لقد دعمت أوروبا أوكرانيا في دفاعها عن نفسها ضد الاحتلال الروسي، لكنها في نفس الوقت دعمت الاحتلال الإسرائيلي في حرب الإبادة التي خاضها ويخوضها في غزة.
لقد تمسكت بسيادة الدنمارك على جزيرة غرينلاند، لكنها دعمت التدخل العسكري في فنزويلا وهي تدعمه الآن في إيران.
ولقد دافعت عن حقوق الإنسان في إيران، لكنها تجاهلت هذه الحقوق في غزة. أما برلمانها فقد اعتبر الحرس الثوري الإيراني منظمة إرهابية، لكنه تجاهلَ ويتجاهل ما يقوم به جيش الاحتلال في غزة ولبنان وسورية.
إن تطبيق أوروبا للقانون الدولي بهذا الشكل الانتقائي جعلها ضحية لخياراتها. عندما تأتي قوة أكبر منها لفرض «جِزية» عليها عن طريق قطع أجزاء من أراضيها أو فرض رسوم جمركية عليها، أو التحكم في ممرات بحرية كانت هي مستفيدة منها، يصبح كل ذلك مُبرراً ومشروعاً.
لماذا؟ لأنها هي نفسها من أسقط المعايير الدولية التي تَحميها. لأنها حولت القانون الدولي إلى أداة خطاب لصالح «المركز» الذي كانت تنتمي له، وتَخلت عن كونه أداة التزام أخلاقي يتم تطبيقه على الجميع وفق نفس المعايير الحقوقية والقِيمية.
في الاجتماع السنوي لمنتدى دافوس العالمي، قال رئيس الوزراء الكندي، مارك كارني: أن النظام الدولي القائم على القواعد لم يعد قائماً وأن القوى الكبرى تستخدم ما يسمى بالتكامل الاقتصادي (العولمة) كأداة نفوذ وإكراه بدلاً من المنفعة المتبادلة.
ولقد حث كارني دول العالم على الاعتراف بالواقع العالمي الجيوسياسي الجديد مستشهدا بما قاله ثوسيديدس أن «الأقوياء يفعلون ما يستطيعون والضعفاء يعانون ما يُفرض عليهم». وأوضح أن على القوى المتوسطة أن تعمل بشكل مشترك وجماعي لحماية مصالحها وقيمها لأنها «إن لم تكن على الطاولة فهي ستكون على قائمة الطعام»، وان عليها ان تدافع عن نظام عالمي أكثر تعاوناً، قائم على قيم مشتركة مثل السيادة وحقوق الانسان والتنمية المستدامة.
كارني وضع يده على الجُرح وقدم الحل. فهل ستأخذ به أوروبا؟
إذا أرادت أوروبا أن تأخذ طرح كارني بجدية، فعليها أولاً أن تتخلى عن ازدواجية خطابها السياسي: لا يمكنها الدفاع عن سيادة أوكرانيا وتبرير سحق غزة، تسليح أوكرانيا للدفاع عن نفسها، وتقوية الاحتلال لسحق غزة والضفة. ولا يمكنها التباكي على القانون الدولي حين يُخرَق في أوروبا الشرقية وأن تتجاهله في فنزويلا وإيران، وحين يُداس بأحذية دولة الاحتلال وبمساعدة أميركا في الشرق الأوسط.
إن الخيار المطروح أمام أوروبا ليس بين أميركا – ترامب أو أميركا ما بعد ترامب، بل بين الاستمرار كملحق سياسي لمنطق القوة، أو التحول إلى قوة متوسطة مستقلة بالفعل، تدافع عن نظام عالمي تعاوني لأنها بحاجة إليه ولأنه يُشكل قِيمها التي تدافع عنها، ولأنه يحمي الجميع بنفس القدر؛ وليس نظاماً عالمياً تُحاضر هي فيه ومستفيدة منه، وتنفذه بشكل انتقائي كلما خدم مصالحها.  
من الواضح أن قادة الدول الأوروبية لا يزالون يعيشون وهمَ أن هذه المرحلة استثنائية بسبب وجود ترامب في البيت الأبيض، وان الرجل سيرحل نهاية العام 2028 وان بإمكانها بالتالي أن تُقَطِعْ هذه المرحلة بالمهادنات والتنازلات حتى ذلك الوقت، وعندها سيعود كل شيء الى حاله.
هذا الوهم لا تدعمه الأدلة. كل ما قام به ترامب خلال رئاسته الأولى، اعتمده بايدن خلال ولايته باستثناء وحيد وهو عودته لبعض المنظمات الدولية التي غادرها ترامب. أما الرسوم الجمركية التي انتجت اتفاقيات تجارية، بما فيها تلك التي مع أوروبا، فإن بايدن حافظ عليها.
وفي الجانب الأمني المتعلق بالناتو، حافظ بايدن على منطق الضغط الذي كرسه ترامب، والقائم على مطالبة الدول الأوروبية برفع إنفاقها الدفاعي إلى 2٪ من ناتجها المحلي، وهو التزام لم تتراجع عنه واشنطن.
ولم يعد بايدن إلى الاتفاق النووي مع إيران كما كانت تأمل أوروبا، ولم يتراجع عن اعتراف سلفه بالقدس عاصمة لإسرائيل وسيادتها على الجولان السوري المُحتل.
باختصار، توهم أوروبا نفسها بأن أي رئيس أميركي جديد بعد ترامب سيعيد الحال الى ما كان عليه: بمعنى العودة للتطبيق الانتقائي للقانون الدولي بشكل لا يمس مصالحها مُقابل الاستمرار في تبعيتها للمركز (أميركا).
على أوروبا أن تدرك بأن العالم لا يعود إلى الوراء، ومن يراهن على الزمن ليحل تناقضاته الأخلاقية، سيكتشف متأخراً أن الزمن نفسه أصبح أداة ضغط بيد الأقوى.
أوروبا اليوم أمام لحظة اختيار تاريخية: إما أن تُعيد تعريف القانون الدولي كقيد على القوة، وان تلتزم به دون انتقائية، أو أن تقبل بأن تكون إحدى ضحايا عالم لا قانون فيه إلا ما قاله ثوسيديدس.

شاركها.