ليست الانتخابات الإسرائيلية المقررة خلال الأيام القادمة مجرد منافسة أخرى بين نتنياهو وخصومه، ولا ينبغي فلسطينياً قراءتها فقط من زاوية السؤال التقليدي: من سيفوز؟ الأهم هو السؤال الآخر: أي إسرائيل ستنتجها هذه الانتخابات، وماذا تعني لنا نحن الفلسطينيين؟

فإسرائيل التي تتجه إلى صناديق الاقتراع اليوم ليست إسرائيل ما قبل السابع من أكتوبر 2023. ثلاث سنوات من الحرب أعادت تشكيل المجتمع والسياسة والخطاب الأمني وحدود المقبول سياسياً. وما كان يُصنّف قبل سنوات باعتباره خطاباً ينتمي إلى هامش اليمين المتطرف، أصبح جزءاً من المجال السياسي الإسرائيلي العام. لذلك، فإن المسألة الفلسطينية لا تتعلق فقط بما إذا كان نتنياهو سيبقى رئيساً للحكومة، وإنما بما إذا كان النتنياهوية قد أصبحت أكبر من نتنياهو نفسه.

قبل أقل من أسبوع من الاقتراع، لا تمنح استطلاعات الرأي نتنياهو انتصاراً مريحاً. بل إن بعضها يضع حزب “يشار” بقيادة آيزنكوت أمام الليكود. وهنا تكمن المفارقة. قد يخسر نتنياهو عدداً من المقاعد، وربما لا يتصدر حزبه النتائج، لكنه يستطيع مع ذلك أن يبقى رقماً مركزياً في معادلة تشكيل الحكومة. فالنظام الإسرائيلي لا ينتخب رئيس الحكومة مباشرة؛ بل ينتخب أعضاء الكنيست البالغ عددهم 120 عضواً، ثم تبدأ معركة الـ61 مقعداً. ولذلك فإن الحزب الأكبر ليس بالضرورة هو الذي يحكم، وإنما من يستطيع بناء الائتلاف القادر على البقاء. ومن هنا فإن قراءتي لا تستبعد عودة نتنياهو. لكنني لا أبنيها على افتراض حصول الليكود على انتصار انتخابي واضح، بل على ثلاثة عوامل: خبرة نتنياهو الاستثنائية في إدارة الائتلافات، تشتت خصومه، والانزياح البنيوي للمجتمع السياسي الإسرائيلي نحو اليمين.

ومن الخطأ الأكبر فلسطينياً اختزال الأزمة في شخص نتنياهو. فالسؤال الأكثر أهمية ليس: هل سيهزم آيزنكوت أو بينيت نتنياهو؟ وإنما: كم يختلف هؤلاء عنه عندما يتعلق الأمر بالفلسطينيين؟فالخلافات داخل إسرائيل عميقة بالفعل، لكنها تتركز بدرجة كبيرة حول شخصية نتنياهو، وإدارة الدولة، والمسؤولية عن إخفاق السابع من أكتوبر، وتجنيد الحريديم، والعلاقة بين الحكومة والمؤسسات، ومستقبل النظام السياسي. أما عندما ننتقل إلى القضية الفلسطينية، فإن المسافات تضيق بصورة لافتة.

وهذا ما يجعل الانتخابات الحالية مختلفة من منظور فلسطيني: يمكن أن يخسر نتنياهو بينما يستمر جزء كبير من السياسات التي مثّلها. حيث أصبح اليمين الإسرائيلي اليوم أوسع من الليكود، كما أن صعود بن غفير يقدم مؤشراً بالغ الأهمية. فاستطلاعات الأيام الأخيرة تمنح “عوتسما يهوديت” ثمانية مقاعد أو أكثر، وتشير إلى تمدد شعبيته بين قطاعات شبابية وناخبين يصوت بعضهم للمرة الأولى.وهذه ليست مجرد زيادة في مقاعد حزب متطرف. إنها إشارة إلى تحول اجتماعي وسياسي داخل إسرائيل. وهنا ينبغي أن يقلق الفلسطينيون من الظاهرة أكثر من قلقهم من الشخص.

المشكلة التي تواجه الفلسطينيين اليوم هي أن أفكاراً كانت تحتاج في الماضي إلى بن غفير أو سموتريتش للتعبير عنها، باتت تجد طريقها إلى مساحات أوسع داخل النظام السياسي الإسرائيلي.والأخطر أن بعض القضايا المرتبطة بالفلسطينيين لم تعد تفصل بوضوح بين الحكومة والمعارضة. فقد شهد الكنيست خلال السنوات الماضية دعماً واسعاً للمواقف الرافضة للدولة الفلسطينية، ولخطوات مرتبطة بالضم والسيطرة الإسرائيلية على الأرض المحتلة. وحتى القوى التي تصنف نفسها في الوسط تختلف مع نتنياهو في قضايا داخلية أكثر مما تختلف معه بالضرورة في جوهر المقاربة الأمنية تجاه الفلسطينيين.

ومن هنا يمكن صياغة المعادلة على النحو التالي: قد يسقط نتنياهو من الحكومة، لكن ذلك لا يعني بالضرورة سقوط البيئة السياسية التي أنتجته. وهذه، في تقديري، هي القراءة الفلسطينية التي يجب أن تسبق يوم الاقتراع. ماذا لو عاد نتنياهو؟ ونجح نتنياهو مرة أخرى في تشكيل الحكومة، فإن ولايته الجديدة ستكون مختلفة عن سابقاتها. فهو لن يعود فقط بوصفه سياسياً نجا مرة أخرى، وإنما بوصفه زعيماً استطاع تجاوز واحدة من أكبر الأزمات السياسية والأمنية في تاريخ إسرائيل، وتحويل الانتخابات إلى نوع من التفويض الشعبي الجديد. وهنا تكمن الخطورة. فالانتصار، إذا تحقق، قد يقرأه نتنياهو وحلفاؤه باعتباره شرعية جديدة للمضي في إعادة تشكيل الواقع الفلسطيني، لا لإدارة الصراع فقط.

ومن المرجح عندها أن تتزايد الضغوط في ثلاثة اتجاهات مترابطة: غزة، والضفة الغربية، ومحاولة إعادة تعريف القضية الفلسطينية نفسها. في غزة، سيكون الخطر في الانتقال من إدارة آثار الحرب إلى تثبيت واقع جغرافي وديمغرافي وسياسي جديد، بما يشمل استمرار الضغوط التي تجعل الحياة والاستقرار وإعادة الإعمار أكثر صعوبة، وتفتح المجال أمام أشكال مختلفة من التهجير المباشر أو غير المباشر.

وفي الضفة الغربية، قد يكون المسار أكثر وضوحاً: توسيع الاستيطان، تعميق السيطرة على الأرض، إضعاف التواصل الجغرافي الفلسطيني، وزيادة الضغوط باتجاه تحويل السلطة الفلسطينية إلى إدارة محدودة الوظائف داخل جزر سكانية منفصلة. أما المستوى الثالث، وربما الأخطر، فهو محاولة نقل الصراع من سؤال إنهاء الاحتلال وإقامة الدولة الفلسطينية إلى سؤال آخر: كيف يمكن إدارة السكان الفلسطينيين بعد أن يصبح حل الدولة غير قابل للتطبيق عملياً؟ عندها يصبح التهجير، سواء كان قسرياً مباشراً أو ناتجاً عن خلق بيئة طاردة للحياة، جزءاً من هندسة سياسية أوسع وليس مجرد تصريحات يصدرها هذا الوزير أو ذاك.

ولكن ماذا لو خسر نتنياهو؟ هنا أيضاً يجب ألا يقع الفلسطينيون في الوهم المقابل. سقوط نتنياهو لن يعني تلقائياً ولادة معسكر سلام إسرائيلي. فالقوى الرئيسية المنافسة له تحمل في معظمها خلفيات أمنية أو قومية، وبعضها ينتمي أصلاً إلى اليمين. وبالتالي قد تتغير اللغة والأسلوب والعلاقة مع الولايات المتحدة وأوروبا، وقد تنخفض حدة بعض الممارسات، لكن من غير المرجح أن يحدث انقلاب تلقائي في الموقف من الدولة الفلسطينية أو القدس أو الاستيطان أو السيطرة الأمنية.

لذلك فإن السيناريو الأفضل فلسطينياً ليس بالضرورة “إسرائيل مختلفة جذرياً”، وإنما ربما إسرائيل أقل قدرة على تنفيذ المشروع الأكثر تطرفاً بسرعة ومن دون كلفة دولية. والفرق بين الأمرين كبير. ماذا نفعل فلسطينياً؟ هنا نصل إلى السؤال الذي أراه أهم من كل استطلاعات الرأي الإسرائيلية. لا يستطيع الفلسطينيون اختيار الحكومة الإسرائيلية، لكنهم يستطيعون التأثير في الكلفة التي ستدفعها أي حكومة إسرائيلية مقابل تنفيذ سياساتها. وهذا يتطلب الخروج من سياسة انتظار نتائج الانتخابات الإسرائيلية.

منذ سنوات، أصبح جزء من السياسة الفلسطينية قائماً على الانتظار: ننتظر الانتخابات الإسرائيلية، ثم الأمريكية، ثم تغير الحكومة، ثم المبادرة الدولية التالية. وفي كل مرة يتغير الفاعلون بينما تستمر الوقائع على الأرض في التحول ضدنا. إذا عاد نتنياهو، فإن مواجهته لا تكون بانتظار سقوط حكومته، بل ببناء استراتيجية تجعل مشروعه أكثر صعوبة وكلفة. وأول عناصر هذه الاستراتيجية هو إعادة بناء البيت الفلسطيني نفسه. فمن غير الممكن مواجهة حكومة إسرائيلية أكثر يمينية بنظام سياسي فلسطيني منقسم، ضعيف الشرعية، متآكل المؤسسات، وغير قادر على صياغة قرار سياسي موحد.وثانيها نقل ملف التهجير من دائرة التحذير السياسي إلى قضية دولية استباقية. 

حيث يجب ألا ننتظر وقوع موجة تهجير جديدة كي نتحرك. المطلوب منذ الآن بناء موقف فلسطيني–عربي–دولي يعتبر منع التهجير خطاً سياسياً وقانونياً مسبقاً، وربط أي محاولة لتنفيذه بكلفة دبلوماسية وقانونية واقتصادية واضحة. وثالثها التعامل بصورة مختلفة مع الدول العربية، وخصوصاً مصر والأردن. فالمسألة لم تعد مجرد تضامن مع الفلسطينيين؛ أي تغيير ديمغرافي قسري في غزة أو الضفة يمس مباشرة الأمن القومي للدولتين. وهنا توجد مساحة لبناء استراتيجية مصالح مشتركة، وليس الاكتفاء بطلب الدعم السياسي. أما العنصر الرابع فهو استثمار التناقض المتزايد بين المشروع الإسرائيلي الأكثر يمينية وبين قطاعات من المجتمع الدولي. كلما تحولت سياسات الضم والاستيطان والتهجير من تصريحات إلى برامج حكم، ازدادت إمكانية بناء تحالف دولي أوسع لمواجهتها. لكن ذلك يتطلب دبلوماسية فلسطينية مختلفة: أقل اعتماداً على البيانات، وأكثر قدرة على تحويل القانون الدولي والعلاقات الثنائية والمؤسسات الدولية والرأي العام إلى أدوات ضغط متراكمة.

في النهاية، ربما يفوز نتنياهو وربما يفشل في تشكيل الحكومة. وقد تعطينا ليلة السابع والعشرين من أكتوبر مفاجآت لا تظهرها استطلاعات اليوم. لكن ثمة نتيجة يمكن توقعها بدرجة أكبر من الثقة: إسرائيل التي ستخرج من الانتخابات لن تعود إلى الوسط السياسي الذي عرفناه قبل عقود. ولهذا لا ينبغي أن تكون الاستراتيجية الفلسطينية: كيف نتعامل مع نتنياهو؟ السؤال الصحيح هو: كيف نتعامل مع إسرائيل أكثر يمينية، سواء حكمها نتنياهو أم حكمها أحد خصومه؟ إذا عاد نتنياهو، ستكون المهمة الفلسطينية هي منع تحويل انتصاره إلى تفويض لإعادة رسم الجغرافيا والديمغرافيا الفلسطينية. وإذا خسر، فلا ينبغي إهدار الفرصة بالاعتقاد أن المشكلة انتهت، بل يجب استثمار أي تناقض داخل إسرائيل وبين إسرائيل وحلفائها لوقف الضم والاستيطان والتهجير وإعادة القضية الفلسطينية إلى مركز السياسة الدولية.

الفلسطينيون لا يملكون صندوق الاقتراع الإسرائيلي. لكنهم يملكون شيئاً آخر، إذا أحسنوا استخدامه: القدرة على جعل المشروع الإسرائيلي تجاههم أكثر كلفة سياسياً وقانونياً ودبلوماسياً، وأقل قابلية للتحول إلى أمر واقع دائم. وربما يكون الدرس الأهم من هذه الانتخابات هو أن انتظار تغيّر إسرائيل لم يعد استراتيجية؛ وإنما المطلوب أن نغيّر نحن شروط المواجهة معها.

شاركها.