بقلم: المستشار د. أحمد يوسف

“الإمبراطوريات لا تسقط لأنها هُزمت في معركة، بل لأنها استنزفت نفسها في حروبٍ ظنت أنها قادرة على كسبها بالقوة وحدها.”
 

لم يكن الاستهداف الأمريكي المتواصل لإضعاف القدرات العسكرية الإيرانية مجرد رد فعل على أزمة عابرة، بل يمثل جزءًا من استراتيجية ممتدة تهدف إلى منع ظهور قوة إقليمية قادرة على موازنة النفوذ الأمريكي والإسرائيلي في الشرق الأوسط. غير أن التاريخ يعلمنا أن الحروب لا تُقاس بحجم القوة المستخدمة فيها، وإنما بقدرة أطرافها على تحقيق أهدافها السياسية، وهنا تبدأ الأسئلة الكبرى.
لقد خرجت الولايات المتحدة من فيتنام وهي تمتلك أعظم ترسانة عسكرية في العالم، لكنها لم تحقق النصر السياسي. ثم تكرر المشهد، بدرجات مختلفة، في العراق وأفغانستان، حيث أنفقت واشنطن تريليونات الدولارات وخسرت آلاف الجنود، قبل أن تعود لتكتشف أن التفوق العسكري لا يكفي لبناء نظام سياسي مستقر أو لفرض إرادتها على الشعوب. وقبلها، تجرع الاتحاد السوفيتي مرارة الاستنزاف في أفغانستان، في تجربة عدّها كثير من المؤرخين أحد العوامل التي عجلت بانهياره.
هذه السوابق التاريخية تؤكد أن الإمبراطوريات تبدأ رحلة التراجع عندما تتحول الحروب إلى عبء اقتصادي وسياسي وأخلاقي يفوق ما تحققه من مكاسب.
وفي المقابل، اختارت الصين طريقًا مختلفًا. فلم تدخل حروبًا واسعة، ولم تنشر قواعدها العسكرية في أنحاء العالم، بل راهنت على الاقتصاد والتكنولوجيا والاستثمار، حتى أصبحت المنافس الاستراتيجي الأول للولايات المتحدة. واليوم، لم يعد العالم أحادي القطبية كما كان بعد انهيار الاتحاد السوفيتي، بل يتجه تدريجيًا نحو نظام دولي أكثر تعددية، تتوزع فيه مراكز القوة والنفوذ.
وليس من قبيل المصادفة أن تتزايد الخلافات داخل المعسكر الغربي بشأن السياسات الأمريكية، سواء في الملفات الأمنية أو الاقتصادية أو في إدارة الأزمات الدولية. فالحلفاء الأوروبيون أصبحوا أكثر حرصًا على حماية مصالحهم الوطنية، وأقل استعدادًا للانخراط غير المشروط في مغامرات عسكرية طويلة ومكلفة.
أما في الشرق الأوسط، فإن أي مواجهة جديدة مع إيران، حتى لو ألحقت بها خسائر كبيرة، لن تضمن تحقيق الأهداف السياسية لواشنطن أو تل أبيب. فإيران قد تخرج من هذه المواجهة نمرًا جريحًا، لكنها ستخرج أيضًا دولة أثبتت قدرتها على الصمود في وجه ضغوط عسكرية واقتصادية غير مسبوقة، وهو ما سيجعلها، على الأرجح، طرفًا لا يمكن تجاوزه في أي ترتيبات إقليمية قادمة.
وفي تقديري، فإن الأشهر القليلة المقبلة قد تشهد تغيرات مؤثرة في المشهد السياسي داخل الولايات المتحدة وإسرائيل. فالانتخابات الإسرائيلية، يعقبها مباشرة الاستحقاق الانتخابي الأمريكي، قد تفرضان مراجعات عميقة للسياسات التي حكمت المنطقة خلال السنوات الأخيرة. وليس من الممكن الجزم بنتائج هذه الانتخابات، لكن من الواضح أن استمرار الحروب المفتوحة يفرض كلفة سياسية متزايدة على القيادات التي ارتبط اسمها بها.
وإذا شهدت الساحة السياسية في البلدين تراجعًا لنفوذ التيارات اليمينية المتشددة، فإن ذلك قد يفتح الباب أمام مقاربات أكثر واقعية، تميل إلى احتواء الأزمات بدل توسيعها، وإلى إعادة الاعتبار للدبلوماسية بعد سنوات من تغليب منطق القوة.
غير أن التحول الحقيقي لن يرتبط فقط بتبدل الأشخاص، وإنما بإدراك حقيقة باتت أكثر وضوحًا: أن العالم تغير، وأن القدرة على فرض الإرادة بالقوة العسكرية لم تعد كما كانت قبل ثلاثة عقود. فالدول اليوم تبحث عن شراكات متوازنة، وتحالفات مرنة، ومصالح متبادلة، أكثر مما تبحث عن مظلات الهيمنة التقليدية.
إن الشرق الأوسط يقف اليوم أمام مفترق طرق تاريخي. فإما أن يستمر في دوامة الحروب والاستنزاف، وإما أن تنضج قناعة دولية وإقليمية بأن الأمن لا يتحقق بالقصف، ولا بالاحتلال، ولا بسياسة كسر الإرادات، وإنما ببناء نظام إقليمي يقوم على التوازن والاحترام المتبادل وتسوية النزاعات بالحوار.
وربما تحمل الأشهر المقبلة بداية هذا التحول. فالتاريخ لا يتوقف عند الأشخاص، لكنه كثيرًا ما يغيّر مساره عندما يكتشف أصحاب القوة أن استمرار الحروب أصبح عبئًا عليهم قبل أن يكون عبئًا على خصومهم. وعندها فقط، سيدرك الجميع أن زمن الأحادية الأمريكية يقترب من نهايته، وأن العالم يدخل مرحلة جديدة، عنوانها التوازن، لا الهيمنة؛ والشراكة، لا الإملاء؛ والسلام القائم على العدالة، لا على موازين القوة وحدها.

شاركها.