ما يجري اليوم لا يبدو اتفاقاً ينهي الحرب بقدر ما يؤجل القضايا الجوهرية إلى مراحل لاحقة. وخارطة الطريق التي وضعها نيكولاي ملادينوف ليست اتفاقاً جديداً، بل آلية لتنفيذ الاتفاق وترتيب مراحله. إلا أن كثيراً من عناصرها، أو من الأفكار التي تقوم عليها، كانت مطروحة منذ نحو عشرة أشهر بصيغ مختلفة. وهذا يعيد إلى الأذهان جولات التفاوض بشأن الأسرى قبل العملية العسكرية في رفح، ثم قبل استئناف العمليات الواسعة في مدينة غزة، حين كانت هناك فرص لم تتحول إلى اتفاق نافذ بسبب التردد، وطول النقاشات، وربما سوء تقدير المواقف. وفي كل مرة كانت المفاوضات تعود إلى صيغ قريبة من تلك التي رُفضت أو أُجلت، لكن بعد أن تكون إسرائيل قد فرضت وقائع ميدانية جديدة وارتفعت الكلفة الإنسانية والعسكرية. وهذا يثير سؤالاً مشروعاً: إذا كانت الصيغة الحالية ممكنة الآن، فلماذا لم تكن ممكنة قبل أشهر؟ وكم كان يمكن تجنب من دماء ودمار وخسائر؟

أما الحديث عن أن الاتفاق يمثل “نصرًا عظيمًا” ويحقق إنجازات كبيرة للأمة والشعب، فيبدو مبالغاً فيه. فإذا كانت جوهر التفاهمات المطروحة اليوم قريباً من صيغ كانت متاحة قبل أشهر، فإن السؤال لا يتعلق فقط بما تحقق، بل أيضاً بثمن التأخير: ماذا أضيف خلال هذه الأشهر سوى المزيد من الدماء والدمار والمعاناة؟

في الواقع، لم تعد المشكلة اليوم في الوصول إلى اتفاق، بل في توقيته وآلية تنفيذه. فبعد كل ما فرضته الحرب من وقائع ميدانية وسياسية، أصبحت كلفة التنفيذ وتعقيداته أكبر بكثير مما كانت عليه قبل أشهر، بينما بقيت القضايا الجوهرية نفسها تقريبًا دون حل.

ويبدو أن التجربة دفعت قيادة حماس، بعد تولي خليل الحية رئاسة المكتب السياسي، إلى اعتماد نهج أكثر سرعة في التعامل مع المقترحات وتقليص النقاشات الداخلية، إدراكاً لكلفة التأخير، وإن كان ذلك لا يغيّر حقيقة أن كثيراً من الاتفاقات عادت لاحقاً إلى نقاط كانت مطروحة سابقاً، ولكن بعد فوات الأوان.

الأهم أن تنفيذ الاتفاق، إن تم، لن يكون سريعاً. فإعادة الإعمار، وترتيبات الأمن، ونزع السلاح، وإدارة غزة، كلها ملفات ستحتاج سنوات طويلة، بينما ستظل آثار الحرب الإنسانية والاقتصادية والاجتماعية حاضرة لعقدين أو أكثر.

العقدة الرئيسية ما زالت كما هي: إسرائيل تربط أي انسحاب كامل بنزع السلاح، فيما تربط حماس أي نقاش حول السلاح بانسحاب إسرائيل أولاً. كما أن الحكومة الإسرائيلية ترفض ربط نزع السلاح بأي أفق سياسي لإقامة دولة فلسطينية، ما يجعل أهم القضايا المؤجلة قابلة للتعطيل أو الانفجار في أي مرحلة من مراحل التنفيذ.

في المقابل، يبدو أن الإدارة الأميركية كررت النهج نفسه بإعلان اتفاق سياسي وتأجيل معالجة نقاط الخلاف على أمل حلها لاحقًا، رغم أن التجارب السابقة أظهرت أن القضايا المؤجلة كثيرًا ما تتحول إلى أسباب لتعثر التنفيذ.

أما رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، فلا يبدو أنه يحتاج إلى اتفاق نهائي بقدر حاجته إلى إنجاز سياسي يمكن تسويقه انتخابيًا تحت شعار “النصر المطلق”، حتى لو بقي تنفيذ الاتفاق معلقاً على الأرض. وفي الوقت نفسه، تواصل إسرائيل فرض وقائع ميدانية جديدة وتعزيز سيطرتها الأمنية، بما يمنحها أوراق ضغط إضافية خلال أي مرحلة من مراحل التنفيذ.

وفي غزة، تبدو الفجوة كبيرة بين ما يتحدث عنه الوسطاء والإدارة الأميركية، وما تعلنه حماس، وبين الواقع الذي يعيشه الناس يومياً. فالناس لا يقيسون الاتفاقات بما يُكتب على الورق، بل بما ينعكس على حياتهم من وقف حقيقي للحرب، وانسحاب فعلي، وإعادة إعمار، وعودة إلى حياة طبيعية.

شاركها.