يواصل الاحتلال الإسرائيلي إبداء دعمه العلني للعملية العسكرية الأمريكية التي نفذها الرئيس دونالد ترامب في فنزويلا، والتي أسفرت عن اعتقال الرئيس نيكولاس مادورو، معربة عن أملها في “عودة الديمقراطية إلى كاراكاس” واستئناف العلاقات الثنائية، وداعية إلى “مستقبل حر وآمن لأمريكا الجنوبية بعيدا عن محور السموم والإرهاب”.
وفي بيان رسمي، أعلن الاحتلال مباركته للعملية، ووصفها بأنها “خطوة هامة تقودها قيادة العالم الحر في لحظة تاريخية مفصلية”، مؤكدة وقوفها إلى جانب “الشعب الفنزويلي الطامح إلى الحرية بعد سنوات من المعاناة تحت قيادة غير قانونية للطاغية نيكولاس مادورو”، الذي وصفه البيان بأنه “زعيم شبكة سموم وإرهاب”.
وشدد البيان الإسرائيلي على “الحق الديمقراطي للشعب الفنزويلي”، وعلى “أحقية أمريكا الجنوبية بمستقبل حر”، معربا عن أمله في أن “يمهد القبض على مادورو الطريق نحو الاستقرار والحرية والازدهار في المنطقة”.
نتنياهو يشيد بـ“العملية الجريئة”
وفي موقف متقدم، نشر رئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو، المتهم دوليا بالتورط في جرائم حرب، منشورا عبر منصة “إكس” بارك فيه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب على ما وصفها بـ“العملية الجريئة والتاريخية باسم قيم الحرية والعدالة”.
وامتدح نتنياهو “تصميم الرئيس الأمريكي وطريقة اتخاذه القرارات”، وأشاد بالعملية العسكرية وبالجنود الأمريكيين الذين شاركوا فيها.
وزير الخارجية: أمريكا قائدة العالم الحر
وانضم وزير الخارجية في حكومة الاحتلال، جدعون ساعر، إلى موجة التهليل، إذ كتب في منشور على “إكس” أن إسرائيل “تبارك عملية الولايات المتحدة بقيادة ترامب، التي عملت كقائدة للعالم الحر، وتقف إلى جانب الشعب الفنزويلي المستحق للديمقراطية في هذه اللحظة التاريخية”.
وجاءت تصريحات ساعر بالتزامن مع مواقف داخلية إسرائيلية غير مسبوقة، إذ صرح رئيس المحكمة العليا الإسرائيلية السابق، أهارون براك، خلال مظاهرة في تل أبيب لإحياء الذكرى الثالثة لما وصف بـ“الانقلاب على النظام السياسي”، بأن تل أبيب “لم تعد دولة ديمقراطية ليبرالية”، محذرا من أن “شخصا واحدا بات يسيطر على السلطتين التنفيذية والتشريعية”، في إشارة إلى نتنياهو.
وتجدر الإشارة إلى أن العلاقات بين فنزويلا والاحتلال الإسرائيلي اتسمت بالتوتر الشديد وقطعت عدة مرات، على خلفية مواقف كاراكاس المناهضة للاحتلال الإسرائيلي ودعمها للقضية الفلسطينية.
ومنذ وصول الرئيس الراحل هوغو تشافيز إلى الحكم عام 1998، قامت فنزويلا بطرد السفير الإسرائيلي مرتين: الأولى عام 2006 خلال حرب لبنان الثانية، والثانية عام 2009 ردا على العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة في عملية “الرصاص المصبوب”.
كما تحتضن فنزويلا جالية عربية كبيرة تقدر بنحو مليون نسمة، تعود جذورها إلى موجات الهجرة من بلاد الشام منذ القرن التاسع عشر، على غرار دول أخرى في أمريكا اللاتينية مثل تشيلي والبرازيل والأرجنتين.
وقد وصل سياسيون من أصول عربية إلى مناصب عليا في المنطقة، من بينهم طارق العيسمي، الذي شغل منصب نائب الرئيس الفنزويلي لسنوات قبل اعتقاله بتهم فساد.
“خطف أم أسر؟” جدل في الإعلام العبري
على المستوى غير الرسمي، أظهرت التغطيات الإعلامية العبرية حالة احتفالية واضحة، وإن لم تخل من تباينات. فقد وصفت بعض الصحف اختطاف مادورو من مقر إقامته الرئاسي بأنه “سطو مسلح” أو “خطف” أو “عملية أسر”.
وتساءلت الإذاعة العبرية عن الخطوة الأمريكية التالية، خاصة في ظل غياب احتلال بري لفنزويلا، وطرحت تساؤلات حول مصير بقية رموز الحكم، وتأثير العملية على إيران والاحتجاجات فيها، وعلى سلوك المرشد علي خامنئي.
كما أثارت تساؤلات حول “سهولة اختراق العاصمة كاراكاس”، ومن تواطأ مع من، ولمصلحة من، مشيرة إلى “أطماع غير معلنة” خلف العملية.
ونقلت الإذاعة عن معلق سياسي قوله إن ترامب “لا يخفي أطماعه”، مستشهدا بتصريحه الذي قال فيه إن “كمية المال التي سنستخرجها من هناك كبيرة جدا، وهذا النفط مفيد لمصالح الجميع”.
وعكست صحيفة “يديعوت أحرونوت” أجواء الابتهاج، إذ نشرت صورة لترامب بعنوان “الشريف”، إلى جانب صورة مادورو بعنوان “الطاغية تحت الاعتقال”، وكتب عدد من كتابها مقالات احتفالية، من بينها مقال لبن درور يميني بعنوان “إشارة لمحور الشر”.
في المقابل، برزت أصوات نقدية حادة. إذ كتب الصحفي الإسرائيلي المختص بالشأن الروسي، يائير نبوت، مقالا بعنوان “هذا ليس الديلر… بل الدولار”، معتبرا أن الدافع الحقيقي للعملية هو السيطرة على الموارد.
وذهب كاريكاتير “يديعوت أحرونوت” في الاتجاه نفسه، حيث صور جنديين أمريكيين يشيران إلى برميل نفط قائلين: “ألقينا القبض عليه”، بينما يقف ترامب أمامهما مشيرا بعلامة “تمام”.
كما اعتبر كوبي برادا، الخبير بالتاريخ الأمريكي، في مقال له أن العملية “معركة على ماسورة النفط، أما السموم فهي مجرد ذريعة”.
“هآرتس”: ترامب يحول العالم إلى ملعبه
أما صحيفة “هآرتس” فقد عنونت صفحتها الأولى بالقول: “أمريكا أسرت رئيس فنزويلا… وترامب يقول إنها ستدير وتبيع نفطها”.
وكتب معلقها في الشؤون الأمريكية، ناتنئيل شلوموفيتش، أن العملية تعكس “نظرية ترامب وغايته في تحويل المعمورة إلى ملعبه الخاص”، معتبرا أن ما جرى ينسف ما تبقى من النظام العالمي.
وفي سياق التحذير، كتب الجنرال الإسرائيلي المتقاعد ميخائيل ميليشتاين، الرئيس السابق لوحدة الأبحاث في الاستخبارات العسكرية، أن الرهان على مثل هذه العمليات “وهم استراتيجي”، داعيا إسرائيل إلى عدم تحويل الأمنيات إلى بوصلة سياسية، ومحذرا من التدخل في الشؤون الداخلية للدول الأخرى.
وانضم إليه المحلل شيمعون شيفر، الذي دعا إلى وقف “جنون القوة العسكرية”، محذرا من تكرار سيناريوهات التصعيد مع إيران، ومؤكدا أن الأولوية يجب أن تكون “ترميم الداخل الإسرائيلي”.
