بيروت/سما يفتح معرض «احكيلي يا جنوب» أبواباً نحو جولة إنسانية عميقة في ذاكرة جنوب لبنان، حيث الحيطان ذاتها تتحدث بلسان أهالي المنطقة وتستعيد حكاياتهم وذكرياتهم مع قراهم وبيوتهم. ينتشر المعرض على طابقي «بيت بيروت» في منطقة السوديكو ببيروت، ويحمل في طياته أرشيفاً بصرياً وسمعياً يختزن علاقة عميقة متجذرة بين السكان وأرضهم، علاقة صمدت في وجه الحروب المتعاقبة.

تولّى مشروع «احكيلي» إعداد المعرض بالتعاون مع المصور أديب فرحات، جامعاً أعمالاً فنية وبحثية متنوعة تدور حول الذاكرة الجماعية لسكان الجنوب. المحتويات متعددة الأشكال والوسائط: أرشيفات منزلية وصور عائلية من القرى والبلدات، إلى جانب أعمال فنية وبحثية وأفلام وتجهيزات سمعية وبصرية، فضلاً عن وثائق ورسائل وصور تاريخية نادرة. كما يتضمن المعرض خرائط وأرشفة رقمية ومساحات تفاعلية تدعو الزوار إلى إضافة قصصهم وذكرياتهم، مما يوسع من نطاق الأرشيف الجماعي.

يشارك في تنفيذ المعرض إلى جانب فرحات عدد من الفنانين التشكيليين منهم بتول فاعور وفرح برّو ورباب شمس الدين وروان مازح وسما بيضون. كل واحد منهم يترجم علاقته ببلدته وأرضها من خلال تجربته الشخصية، مستخدماً صوراً عائلية فوتوغرافية ومائدات عشاء فارغة من أهلها وتجهيزات فنية ضخمة. تتدلى من إحداها مجموعة من المفاتيح، رمزاً لبيوت لم يعد بإمكان أصحابها العودة إليها.

من اللحظة الأولى للدخول، يشعر الزائر بثقل هذا اللقاء مع ذاكرة موثّقة وحية. يتفاعل معها تارة عبر الصور الفوتوغرافية وتارة أخرى عبر أدوات منزلية بسيطة ومونة ومفاتيح بيوت ولوحات مرسومة. الفيديوهات والتجهيزات الفنية ترسم رحلة بصرية تتداخل فيها تفاصيل الحياة اليومية مع ذاكرة المكان ذاته. جميع عناصر المعرض جُمعت من واقع الحياة لتصبح شهادات حية على حكايات أصحابها.

بين حجر ملتوٍ وكمشة تراب وفنجان قهوة مكسور، يعثر الزائر على تفاصيل صغيرة تحمل قصصاً كبيرة. وكأنه يجول في قرى جنوب لبنان التي شهدت حروباً متعاقبة، وهو لم يغادر قلب المدينة. المعرض يغطي حقبة طويلة من الحروب منذ ثمانينات القرن الماضي حتى اليوم، ويعرض ما تبقّى من آثار تلك السنوات وما نجا من قسوتها.

محتويات المعرض أشبه بحفنة من آثار حياة مضت، جمعها الناس من بين الركام والدمار والتزموا بحفظها. أشياء بسيطة الشكل، لكن تفاصيلها تحمل قصص بيوت وقرى وتختزن لحظات من حياة لم تستطع الحرب محوها بالكامل. بين الأقسام، يزور الزائر نماذج من بيوت الجنوب، ويقرأ قصاصات من صحف ورسائل جمعها فرحات في أرشيفه الفني. عناوين مختلفة تنظّم الزيارة: «خطوط التغريب» و«بس قرّب موسم الرمان» و«مفاتيح بلا بيوت» و«بعد العشاء».

في زاوية مخصصة، تحتفي الفنانة رباب شمس الدين بموسم قطاف الرمان، مستعينة بصور فوتوغرافية لأهالي بلدتها وهم يحصدون ثماره، مستعيدة موسماً ارتبط بأرضهم وعاداتهم الموسمية. فرح برّو من جهتها أنشأت غرفة جلوس من أثاث بسيط وأغراض استقدمتها من منزلها في الجنوب، تحيط بها بأجواء تستعيد عادات وتقاليد يومية كانت تمارسها في صبحياتها مع الجيران. بينها كوب قهوة عربية مزخرف وصور بيتها ذي الواجهة المكللة بالقناطر، وصور لأكلة «اللحم بعجين» وأشجار الزيتون التي تستحضر بها بلدتها كفركلا.

في ركن خاص بالمطبخ الجنوبي، تستوقف الزائر أغراض وأدوات منزلية تستعيد الطابع القروي لمطابخ الضيعة اللبنانية. من خزانة «النملية» إلى طناجر الألمنيوم وستارة المجلى المصنوعة من القماش الأصفر، تبدأ رحلة أخرى في تفاصيل الحياة اليومية التي ارتبطت ببيوت الجنوب. يتضمّن المعرض جانباً تفاعلياً يتيح للزوار المشاركة المباشرة في بناء الأرشيف عبر كتابة حكاياتهم ورسائلهم وتفاصيل حياتهم المرتبطة بقراهم وأماكنهم. برنامج من الجولات واللقاءات والأنشطة الحوارية سيرافق المعرض، بهدف توسيع مساحة المشاركة وإتاحة المجال لمزيد من الأصوات والقصص.

شاركها.