لم تكن الأونروا مجرد وكالة إغاثة عابرة في التاريخ الفلسطيني، بل كانت، منذ تأسيسها، الذاكرة المؤسسية الأكثر حضوراً لقضية اللاجئين الفلسطينيين. ولهذا، لم يكن الاستهداف الإسرائيلي لها جديداً، ولا طارئاً، ولا مرتبطاً فقط بادعاءات ما بعد السابع من أكتوبر 2023. الجديد أن حرب الإبادة على غزة وفّرت لإسرائيل فرصة سياسية ودعائية لإعادة طرح هدف قديم: التخلص من الأونروا، لا بوصفها مؤسسة خدماتية فقط، بل بوصفها شاهداً دولياً على أصل المأساة الفلسطينية. فالأونروا تذكّر العالم، يومياً، بأن هناك لاجئين لم تُحل قضيتهم، وحقاً لم يسقط بالتقادم، ونكبة لم تتحول إلى حادثة تاريخية منسية. ولذلك فإن إضعافها أو محاولة شطب دورها لا يعني فقط نقل خدمات التعليم والصحة والإغاثة إلى مؤسسات أخرى، بل يعني محاولة تفكيك الرابط بين الإنسان الفلسطيني وصفته السياسية والقانونية كلاجئ.
من هنا نفهم الإصرار الإسرائيلي على إنهاء دورها. فالمطلوب ليس فقط اتهام الأونروا أو إصلاحها أو مراقبتها، بل تحويل الفلسطيني من صاحب حق إلى متلقٍّ للمساعدة، ومن لاجئ له قضية إلى ساكن محتاج في مساحة منكوبة. وهذا التحول هو أخطر ما في المشروع؛ لأنه يعيد تعريف القضية الفلسطينية من قضية تحرر وحقوق وعودة إلى ملف إنساني قابل للإدارة والتمويل والتسكين. وقد وجدت إسرائيل في الولايات المتحدة حليفاً قادراً على تحويل هذه الرؤية إلى سياسة عملية، عبر وقف التمويل، والضغط السياسي، وتوفير الغطاء الدولي. وبعد اتهامات إسرائيل لموظفين في الأونروا عقب هجوم 7 أكتوبر، علّقت الولايات المتحدة ودول أخرى تمويلها، رغم أن الأمم المتحدة أعلنت فصل بعض المتهمين وفتح مراجعات داخلية، بينما حذّر الأمين العام للأمم المتحدة مؤخراً من أن الوكالة تقترب من نقطة الانهيار بسبب عجز تمويلي حاد.
والأكثر دلالة أن ما يسمى بمجلس السلام، ذهب في الاتجاه نفسه، حين أعلن أنه لا مكان للأونروا في غزة الجديدة، في إشارة لا يمكن فصلها عن مشروع أوسع لإعادة هندسة غزة سياسياً وإنسانياً بعيداً عن الذاكرة الوطنية الفلسطينية. كما أن تقارير حديثة حول صلاحيات هذا المجلس أثارت مخاوف من إدارة انتقالية محصّنة من المساءلة وقادرة على التحكم بالأرض والموارد وإعادة الإعمار من خارج الإرادة الفلسطينية.
السؤال هنا: ماذا يكسب دعاة السلام من إقصاء الأونروا؟ الجواب أن السلام المطروح لا يبدو سلاماً قائماً على الحقوق، بل سلاماً إدارياً يقوم على ضبط السكان، وإعادة توزيع المساعدات، وإعادة بناء غزة كمساحة قائمة على فكرة نزع السياسة، قبل فكرة نزع السلاح. فحين تغيب الأونروا، تغيب معها الإشارة اليومية إلى حق العودة، وتضعف الصلة القانونية بين غزة واللاجئين، وتصبح الكارثة الإنسانية منفصلة عن أصلها السياسي: الاحتلال، والتهجير، وإنكار الحقوق.
إن خطورة إلغاء الأونروا لا تكمن فقط في أثره الإنساني المباشر، رغم أن هذا الأثر كارثي، خصوصاً في غزة حيث تؤكد الأمم المتحدة أن الوكالة لا تزال طرفاً إنسانياً لا يمكن استبداله في الظروف الحالية. بل تكمن الخطورة الأعمق في أن إنهاء دورها يعني محاولة دفن آخر مؤسسة دولية تحمل اسم اللاجئين الفلسطينيين وتربط حاضرهم بنكبتهم الأولى.
لقد شكّل 7 أكتوبر 2023، بالنسبة لإسرائيل، المبرر الذي كانت تنتظره لاختصار الأونروا في تهمة، واختصار اللاجئين في عبء، واختصار غزة في ملف أمني وإنساني. لكن الحقيقة أن استهداف الأونروا ليس دفاعاً عن الشفافية، ولا سعياً لإصلاح العمل الإنساني، بل محاولة لإعادة كتابة القضية الفلسطينية بلا لاجئين، وبلا ذاكرة، وبلا حق عودة. لذلك، فإن الدفاع عن الأونروا ليس دفاعاً عن مؤسسة بيروقراطية، ولا تبرئة مطلقة لأي خلل إداري محتمل، بل دفاع عن المعنى السياسي والحقوقي لوجودها. فمن يريد إصلاح الأونروا يمكنه أن يطالب بالرقابة والمحاسبة والشفافية. أما من يريد إلغاءها، فهو لا يستهدف مؤسسة؛ بل يستهدف الشاهد.
وفي لحظة تتكاثر فيها مشاريع اليوم التالي لغزة، يجب أن يكون السؤال الفلسطيني والعربي والدولي واضحاً: هل نريد إعادة إعمار غزة مع شطب ذاكرتها؟ هل نريد إغاثة الفلسطينيين مع نزع صفتهم كلاجئين؟ وهل يمكن لأي سلام أن يولد من محاولة دفن المؤسسة التي تذكّر العالم بأن جوهر القضية لم يبدأ في 7 أكتوبر، بل بدأ مع نكبة شعب لم تنتهِ بعد؟
الأونروا ليست الحل النهائي لقضية اللاجئين، لكنها الدليل المؤسسي على أن هذه القضية لا تزال مفتوحة. ولهذا يريدون إغلاقها.
