شهد مطلع عام 2026 حراكًا أثريًا وعلميًا بارزًا في إقليم أندلوثيا الإسباني، أعاد تسليط الضوء على الجذور الضاربة للتاريخ الإسلامي في النسيج الوطني الإسباني.
ففي مدينة إشبيلية، وتحديدًا خلال أعمال توسعة الخط الثالث لمترو الأنفاق في حي “ماكارينا” العريق، أُعلن عن اكتشاف 40 مقبرة أندلسية تعود للعصور الوسطى.
وقد أكد محمد إدريسي ألكاراز، ممثل “الجامعة الإسلامية في إسبانيا الأندلسية”، أن هذا الاكتشاف يمثل دليلاً قاطعًا على أن الوجود الإسلامي في المنطقة ليس ظاهرة طارئة أو نتاج هجرات حديثة، بل هو امتداد تاريخي متصل يمتد لأكثر من تسعة قرون، في حين اعتبرت هيئة البنية التحتية في المجلس العسكري لأندلوثيا أن هذه الحفريات تشكل فرصة تاريخية لتثمين التراث المجهول ودمجه في الوعي الجمعي للمدينة دون أن تعيق وتيرة التطور العمراني.
وفي خطوة علمية موازية تعزز هذا المسار الأثري، أطلق “مجلس مسجدكاتدرائية قرطبة” أول دراسة شاملة وعميقة للعناصر الخشبية في أسقف المسجد الجامع، بالتعاون مع المعهد الأثري الألماني وجامعتي “براونشفايغ” و”بامبرغ”. ويهدف هذا المشروع الطموح، الممول من مؤسسة البحوث الألمانية (DFG)، إلى كسر عقود من الجمود العلمي عبر توثيق وتحليل أكثر من 500 عنصر خشبي تاريخي باستخدام تقنيات “تأريخ الأشجار” المتطورة.
وأوضح عميد الكاتدرائية، خواكين نيفا، أن هذا التعاون الأكاديمي الدولي يعكس التزام المؤسسات بالحفاظ على التراث العالمي وفق منظور علمي رصين يتجاوز القراءات السطحية، مما يسمح بفهم أعمق للتطور المعماري لهذا الصرح الفريد عبر العصور.
من جانبه، اعتبر مرصد الأزهر لمكافحة التطرف أن اكتشافات إشبيلية ودراسات قرطبة تمثل ردًا واقعيًا وموضوعيًا ينسف خطابات اليمين المتطرف التي تحاول تصوير المسلمين كـ “غرباء” أو “وافدين” على الثقافة الإسبانية.
كما يشير المرصد إلى أن ظهور المقابر الأندلسية في قلب الأحياء الإسبانية العريقة يدحض سردية “الدخلاء”، ويؤكد أن الحضارة الإسلامية هي حجر زاوية في بناء الشخصية الإسبانية. وثمن المرصد توجه المؤسسات الإسبانية نحو “المصالحة مع التاريخ” واعتماد البحث العلمي وسيلة لتجريد الهوية التاريخية من الاستقطاب السياسي، بما يساهم في تعزيز قيم المواطنة والاندماج وقطع الطريق أمام “معامل الوهم” التي تروج للإسلاموفوبيا عبر تزييف الحقائق التاريخية.
