حددت وزارة الأوقاف موضوع خطبة الجمعة المقبلة بجميع مساجد الجمهورية بعنوان “سعةُ رحمةِ اللهِ بابُ الأملِ وسبيلُ النجاةِ”.
وشددت الوزارة على جميع الأئمة بضرورة الالتزام بموضوع الخطبة والوقت المحدد لها ، ونشرت الوزارة نص الخطبة عبر المنصة الإلكترونية الرسمية.
نص خطبة الجمعة
الحمدُ للهِ الذي جبلَ النفوسَ على الفطرةِ السليمةِ، وجعلَ الروحَ أمانةً عظيمةً، وأشهدُ أنْ لا إلهَ إلا اللهُ وحدَهُ لا شريكَ لهُ، تفردَ بالخلقِ والإيجادِ، وفتحَ للعبادِ أبوابَ الرجاءِ والودادِ، نهى عن قتلِ النفسِ وعظَّمَ حرمتَها، وجعلَ التوبةَ مخرجًا من ضيقِ الذنوبِ وكربتِها، وأشهدُ أنَّ سيدَنا ونبيَّنا محمدًا عبدُ اللهِ ورسولُهُ، مبعوثُ الرحمةِ للعالمينَ، وملاذُ الخائفينَ والحائرين، الذي جاءَ بالبشرى لمن أسرفَ على نفسِهِ، وبالأملِ لمن أظلمَ ليلُهُ بيأسِهِ، صلَّى اللهُ عليهِ وعلى آلهِ وصحبِهِ وسلمَ، أما بعدُ، فيا عبدَ اللهِ:
١ انشرْ بذورَ الأملِ في نفسِكَ وفيمن حولكَ، وانظرْ بعينِ التفاؤلِ إلى غدٍ مشرقٍ بوعودِ اللهِ الصادقةِ، واستظلَّ بظلالِ سعةِ رحمةِ اللهِ التي لا يضيقُ معها كربٌ، فالمحنُ في طياتِها منحٌ، والشدائدُ هي مصانعُ الرجالِ، فاجعلْ من الانكسارِ بين يديِ اللهِ قوةً، ومن الافتقارِ إليهِ عزًّا وفتوةً، فكم من كربةٍ ظننتَ أنها القاضيةُ فكانتْ هي المنجيةَ، وكم من محنةٍ ضاقَ بها الصدرُ فكانتْ للمنحِ سبيلًا بفضلِ جودِ اللهِ وكرمِهِ، فكنْ للأملِ ناشرًا، وللبشرى ناقلًا، ولنعمِ اللهِ شاكرًا، تنلْ سعادةَ الدارينِ، وتفزْ برضا ربِّ العالمينَ، قالَ اللهُ تعالى في محكمِ آياتِهِ: ﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا * إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾.
٢ احذرْ من اليأسِ فإنَّهُ مزلقةُ الشيطانِ وهلاكُ الوجدانِ، وتدبرْ كيفَ يحاولُ القنوطُ أنْ يقطعَ حبالَ الوصلِ بين العبدِ وربِّهِ، ليتركَهُ وحيدًا في ظلماتِ كربِهِ، فالقنوطُ سوءُ ظنٍّ بالخالقِ، وعائقٌ يمنعُ السيرَ في المسالكِ، والمؤمنُ الواثقُ يعلمُ أنَّ مع العسرِ يُسرًا، وأنَّ مع الضيقِ فرجًا، فليكنْ أملُكَ باللهِ جبالًا راسيةً، وظنونُكَ بفضلِهِ دومًا وافيةً، فما من بلاءٍ إلا ولهُ عندَ اللهِ كشفٌ، وما من همٍّ إلا ولرحمتِهِ فيهِ لطفٌ، فاستبشرْ خيرًا، واطردِ التشاؤمَ عن دارِكَ، واعلمْ أنَّ تدبيرَ اللهِ خيرٌ لكَ من إصرارِكَ، قالَ النبيُّ (صلَّى اللهُ عليهِ وسلمَ) فيما يرويهِ عنْ ربِّهِ سبحانَه: «أنا عندَ ظنِّ عبدي بي، فليظنَّ بي ما شاءَ».
٣ استبصرْ قدسيةَ الروحِ وعظمةَ حرمةِ النفسِ، واعلمْ أنَّ النفسَ الإنسانيةَ في ميزانِ اللهِ مكرمةٌ، وعن الابتذالِ والاعتداءِ معصومةٌ ومحرمةٌ، فهي بنيانُ الربِّ ملعونٌ من هدمَهُ، ومتوعدٌ من روَّعَهُ أو أراقَ دمَهُ، فالحياةُ هبةٌ إلهيةٌ لا يملكُ سلبَها إلا واهبُها، والمؤمنُ الحقُّ هو من يرى في بقاءِ الأنفسِ فرصةً للاستزادةِ من الطاعاتِ، ومجالًا لتداركِ ما فاتَ من الهفواتِ، فإياكَ واليأسَ الذي يدفعُ المرءَ لإزهاقِ روحِهِ، والقنوطَ الذي يزيدُ جراحَهُ ويعظمُ جروحَهُ، فمن أحياها فكأنما أحيا الناسَ جميعًا، ومن صانَها نالَ عندَ اللهِ مقامًا رفيعًا، قالَ اللهُ تعالى: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا﴾.
٤ تيقَّظْ لحرمةِ التعدي على النفسِ وواجبِ صيانتها، وتأملْ بعينِ البصيرةِ كيفَ حمتِ الشريعةُ الغرَّاءُ حياةَ الإنسانِ بأسوارٍ من الهيبةِ والتعظيمِ، فجعلتِ الحفاظَ على النفسِ من أجلِّ المقاصدِ وأسمى التعاليمِ، وإنَّ من أعظمِ الضلالِ أنْ يظنَّ اليائسُ أنَّ في إنهاءِ حياتِهِ راحةً من كربِهِ، أو مفرًّا من ضيقِ قدرِهِ، بل إنَّ صرخةَ اليأسِ التي تدفعُ الإنسانَ لقتلِ نفسِهِ هي طعنةٌ في أمانةِ اللهِ التي استودعه إياها، وجنايةٌ على الروحِ التي شرفَها الخالقُ بنفختِهِ، فالمؤمنُ الصابرُ هو من يعلمُ أنَّ جسدَهُ ملكٌ لبارئِهِ، وأنَّ الروحَ سرٌّ إلهيٌّ لا يحلُّ لأحدٍ هتكُ سترِهِ أو تعجيلُ رحيلِهِ، فكنْ لنفسِكَ حارسًا، ولحياتِكَ مقدرًا، ولا تجعلَنَّ الشيطانَ يزينُ لكَ الهلاكَ في صورةِ الخلاصِ، فإنَّ مع كلِّ ضيقٍ مخرجًا، ومع كلِّ شدةٍ فرجًا، وقد أدبَنا المصطفى صلَّى اللهُ عليهِ وسلمَ بأدبِ الصبرِ عندَ اشتدادِ البلاءِ، فنهى حتى عن مجردِ تمني الموتِ ضيقًا بالحالِ، فكيفَ بمن يرتكبُهُ؟ فقالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلمَ: «لا يتمنينَّ أحدُكمُ الموتَ لضرٍّ نزلَ بهِ، فإنْ كانَ لا بدَّ متمنيًا فليقلْ: اللهمَّ أحيني ما كانتِ الحياةُ خيرًا لي، وتوفني إذا كانتِ الوفاةُ خيرًا لي».
الخطبة الثانية
الحمدُ للهِ وكفى، وسلامٌ على عبادِهِ الذين اصطفى، وأشهدُ أنْ لا إلهَ إلا اللهُ وحدَهُ لا شريكَ لهُ، لهُ الملكُ ولهُ الحمدُ، يحيي ويميتُ وهو على كلِّ شيءٍ قديرٌ، وأشهدُ أنَّ سيدَنا محمدًا عبدُهُ ورسولُهُ، أما بعدُ:
فيا من ضاقتْ بهِ الحياةُ، وأثقلتْ كاهلَهُ الهمومُ، رويدَكَ، إنَّ نفسَكَ ملكٌ لبارئِها، وقد غلَّظَ الشرعُ في النهيِ عن جريمةِ الانتحارِ لأنَّ الروحَ أمانةٌ لا يجوزُ التفريطُ فيها تحتَ وطأةِ الظروفِ العابرةِ، فاليأسُ سحابةٌ عابرةٌ تنجلي باليقينِ، فلا تحبسْ وجعَكَ في صدرِكَ فيقتلَكَ، بل بثَّ شكواكَ لخالقِكَ ثمَّ لذوي الحكمةِ والمحبينَ لكَ، واعلمْ أنَّ دوامَ الحالِ من المحالِ، وأنَّ خلفَ الغيومِ شمسًا تنتظرُ الإذنَ بالبزوغِ، فلا تطفئْ شمعةَ حياتِكَ بيدِكَ وتتركْ خلفَكَ قلوبًا يدميها الفراقُ، استعنْ باللهِ ولا تعجزْ، قالَ تعالى: ﴿وَلَا تَيْأَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِنَّهُ لَا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ﴾.
معاشرَ الآباءِ والأمهاتِ: اجعلوا بيوتَكم قلاعًا تحمي الأبناءَ من خطرِ السقوطِ في هاويةِ الانتحارِ، وعززوا روابطَ الثقةِ بالإنصاتِ والاحتواءِ، وقدموا الدعمَ اللامحدودَ الذي يلمسُ مواجعَهم قبلَ أنْ تستفحلَ، فالمكروبُ يحتاجُ يدًا حانيةً لا لومًا وتقريعًا، فكونوا لأبنائِكم صدرًا حنونًا يفيضُ بالسكينةِ، وعينًا تبصرُ تغيرَ ملامحِهم قبلَ أنْ تنطقَ ألسنتُهم بالشكوى، فبناءُ جدارِ الثقةِ مع الأبناءِ هو خطُّ الدفاعِ الأولُ لمنعِ وصولِهم إلى التفكيرِ في الانتحارِ، وترميمُ النفسِ في بداياتِ الانكسارِ أهونُ بكثيرٍ من علاجِ آثارِ الانهيارِ، قالَ النبيُّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلمَ: «كلكم راعٍ، وكلكم مسؤولٌ عن رعيتِهِ».
أيها المكرمونَ: إنَّ مسؤوليتَنا تجاهَ من يعانونَ في صمتٍ تفرضُ علينا فقهَ الاستباقِ لمنعِ وقوعِ فاجعةِ الانتحارِ، فليسَ شأنُنا الانشغالَ بالحكمِ على مآلاتِ من رحلوا، فأمرُهم مفوضٌ إلى من خلقَهم، وهو أرحمُ بهم من آبائِهم وأمهاتِهم، إنما الشغلُ الشاغلُ هو ألا نتركَ المكتئبَ يصلُ إلى لحظةِ اليأسِ وفكرةِ الانتحارِ، ليكنْ واجبُنا بناءَ محاضنَ للأرواحِ التي تتألمُ عن طريقِ تقديمِ الدعمِ النفسيِّ والروحيِّ، فأحيوا صورةَ المجتمعِ المتراحمِ الذي لا يغفلُ فيه جارٌ عن جارِهِ، ولا يتركُ فيه الصديقُ خِلَّهُ نهبًا للوساوسِ، لنجعلْ من التكافلِ النفسيِّ ثقافةً تعيدُ للأرواحِ طمأنينتَها، استجابةً لقولِهِ تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾.
حفظَ اللهُ مصرَ وأهلَها من كلِّ مكروهٍ وسوءٍ.
