قال الدكتور علي جمعة، عضو هيئة كبار العلماء بالأزهر الشريف، إن الله سبحانه وتعالى قال: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾فما معنى الإخلاص؟ وكيف يصل الإنسان إليه؟، الإخلاص هو النية التي لا يشوبها شيء؛ نية صافية متوجهة إلى الله وحده، لا شريك له.
واضاف جمعة، في منشور له عبر صفحته الرسمية بموقع التواصل الاجتماعي فيسبوك، أن الله سبحانه وتعالى غني عن عباده، والعبد هو المحتاج إليه؛ ولذلك جاء في الحديث القدسي: «أَنَا أَغْنَى الشُّرَكَاءِ عَنِ الشِّرْكِ».
وأشار إلى أن الإخلاص معناه توحيد الله بالقصد، وتفريده بالطلب، وتخليص القلب مما سوى الله.
ولهذا كانت كلمة التوحيد: «لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ» هي كلمة الإخلاص.
وسُمِّيت سورة ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ بسورة الإخلاص؛ لأنها تقرر وحدانية الله سبحانه وتعالى: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ اللَّهُ الصَّمَدُ لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾.
فهو الواحد الذي لا شريك له، والصمد الذي يُقصد وحده، ولا مثيل له ولا نظير.
وهل يمكن أن تجتمع في العمل نية العبادة مع نية دنيوية؟، الأعمال ليست على مرتبة واحدة؛ فمنها عبادة محضة، ومنها عمل دنيوي محض، ومنها ما يجتمع فيه أمر الدنيا والآخرة.
فالوضوء عبادة، وتعليم الابن الوضوء عبادة كذلك، ولو توضأ الإنسان ليعلِّمه، فإنه يجمع بين نية التعليم ورفع الحدث.
والدعاء عبادة، وقد يدعو الإنسان بأمر من أمور الدنيا أو الآخرة، فيقول: يا رب ارزقني، أو اشفني، أو اغفر لي، أو أدخلني الجنة.
والدعاء بأمر من أمور الدنيا لا يخرجه عن كونه عبادة؛ لأن العبد يتوجه فيه إلى الله، ويسأله، ويُظهر فقره وافتقاره إليه.
وكذلك يجب تهذيب العبارة، حتى يوافق اللسان حقيقة التوحيد المستقرة في القلب.
فقد قال رجل للنبي ﷺ: ما شاء الله وشئت.
فقال له النبي ﷺ: «أَجَعَلْتَنِي لِلَّهِ نِدًّا؟ بَلْ مَا شَاءَ اللَّهُ وَحْدَهُ».
وقال النبي ﷺ: «لَا تَقُولُوا: مَا شَاءَ اللَّهُ وَشَاءَ فُلَانٌ، وَلَكِنْ قُولُوا: مَا شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ شَاءَ فُلَانٌ».
فهناك فرق بين أن تقول: توكلنا على الله وعليك، وبين أن تقول: توكلنا على الله ثم عليك.
فاللسان ينبغي أن يوافق حقيقة التوحيد في القلب.
وقد قال الله تعالى : ﴿أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ﴾.
وقال سبحانه: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾.
فهذا هو الإخلاص: أن يكون العمل لله وحده.وهل تعدد النيات ينافي الإخلاص؟لا.
فهناك فرق بين تعدد النيات وفساد الإخلاص.
قد يدخل الإنسان المسجد فيصلي ركعتين ينوي بهما صلاة الضحى وتحية المسجد وسنة الوضوء.
وقد تصوم المرأة أيام القضاء في شوال، فتنوي القضاء، ويُرجى لها مع ذلك فضل الصيام في شوال؛ لأنها اختارت هذا الوقت طلبًا للفضل.
وهذا يسمى عند الفقهاء التشريك في النية؛ أي أن تجتمع عدة نيات صالحة في عمل واحد.
والتشريك جائز فيما يقبل التداخل من العبادات، أو إذا كانت إحدى العبادتين غير مقصودة لذاتها؛ ما دام العمل في أصله مشروعًا، وكانت النيات كلها صالحة ومتوجهة إلى الله سبحانه وتعالى.
فالإخلاص ليس معناه أن تكون للإنسان نية واحدة فقط، وإنما معناه أن تكون النية أو النيات كلها لله رب العالمين.
وقد أكثر ابن الحاج في كتابه «المدخل» من التنبيه إلى النيات الصالحة التي يمكن أن يستحضرها الإنسان في أعماله.
فقد يخرج المسلم إلى المسجد، وينوي الصلاة، وإزالة الأذى من الطريق، وإفشاء السلام، وستر العورة، والتجمل للصلاة، وتعليم الناس، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، ومساعدة المحتاج.
كل هذه نيات صالحة تجتمع في عمل واحد، ولا تفسد الإخلاص، بل تزيد العمل فضلًا، إذا كان القلب متوجهًا إلى الله وحده.
فالإخلاص ليس فقرًا في النيات، بل هو صفاؤها.
وليس معناه أن تقل الأعمال والمقاصد، بل أن يتوجه بها الإنسان كلها إلى الله.
فَوَحِّدِ اللَّهَ فِي قَصْدِكَ، وَاجْمَعْ مِنَ النِّيَّاتِ الصَّالِحَةِ مَا اسْتَطَعْتَ؛ فَفَضْلُ اللَّهِ وَاسِعٌ.
