رغم موافقتي على العديد من الأفكار الواردة فيما كتبته، فإنني لا أوافق على المشاركة في الانتخابات في كل الأحوال، لأنها قد تمنح شرعية لعملية تزور إرادة الشعب الفلسطيني، وتقودنا إلى ما هو أسوأ من أوسلو.
فهذه الانتخابات إما أن يمنعها الاحتلال، حتى لا تمنح شرعية حتى لسلطة الحكم الذاتي لأنها تجسد الهوية الوطنية الفلسطينية في مرحلة يحاول الاحتلال تصفية القضية الفلسطينية من جذورها وكل أبعادها، بصورة مباشرة أو عبر الحيلولة دون إجرائها في القدس ومناطق (ج)، وربما في غزة أيضًا، أو من خلال جملة الإجراءات التي يستطيع اتخاذها مثل تصعيد الإبادة و العدوان العسكري؛ وإما أن تؤجلها السلطة أو تلغيها كما فعلت عام 2021، لأنها رأت أنها ستخسر، لأنها تدرك أو ستدرك أن الوقت غير مناسب لها في ظل الفجوة الواسعة بينها وبين الشعب في ظل الاخفاقات على كل المستويات بعد فشل برنامجها السياسي والانقسام وتقدم الوصاية والبدائل عبر مجلس ما يسمى السلام وتغول الاحتلال بالاستمرار بحرب الإبادة والتهجير في غزة والضم وفرض السيادة والاستيطان واعتداءات جيش الاحتلال والمستوطنين في الضفة، بما في ذلك تفشي البطالة وتدهور مستوى المعيشة وصرف نصف راتب منذ سنوات عديدة وتفجر أزمات بشكل متواصل منها ما يتعلق بفضائح الفساد والوقود والمعابر، وتداعيات وارتدادات مؤتمر فتح الثامن، والحبل على الجرار، أو تُجرى بطريقة تكون نتائجها مضمونة سلفًا والحدق يفهم. وفي ظل هذه الظروف، لا أرى إمكانية جدية لإجراء انتخابات حرة ونزيهة تُحترم نتائجها رغم ضرورة المطالبة بإجرائها، وإذا جرت ستصادر نتائجها إذا لم تكن حسب الطلب.
ولا يمكن القياس على انتخابات عام 1996، لأنها جرت من دون منافسة حقيقية، ومكنها الاحتلال من الحدوث لأنها منحت الشرعية لسلطة الحكم الذاتي ذات الصلاحيات المحدودة المنبثقة عن اتفاق أوسلو والتي تم تقليص صلاحياتها ودورها باستمرار. كما ينبغي استحضار مصير رؤساء البلديات الذين فازوا في انتخابات عام 1976 الذين تم تفجيرهم وابعادهم وتعيين مجالس بلدية بديلة، ومصادرة نتائج انتخابات عام 2006 التي سمح بإجرائها ضمن تصور احتواء حركة حماس وإدخالها بيت الطاعة الأوسلوي، وفي سياق مفهوم أمريكي لتشجيع “الإسلام المعتدل” ضد “الإسلام المتطرف”، وسيادة تقدير أنها لن تحصل على الأغلبية، وتأجيل انتخابات عام 2021 خوفا من الخسارة, علمًا بأن الظروف الراهنة أشد سوءًا، في ظل الحكومة الإسرائيلية الأكثر تطرفًا منذ تأسيس إسرائيل. وهي حكومة تعيش أجواء انتخابات، ما يدفعها إلى تبني سياسات وإجراءات أكثر تطرفًا، في محاولة لوقف تراجع أحزابها في استطلاعات الرأي، وتعزيز فرصها في الفوز، أو ربما تأجيل الانتخابات إذا اندلعت حرب أو وقعت تطورات كبرى، فحكومة نتنياهو بن غفير سموتريتش لن تسمح بانتخابات تقوي الفلسطينيين ويمكن أن تساهم بتوحيدهم,وبدلا من وضع الخطط لمواجهة ذلك يتم إضاعة الوقت بانتخابات لا تأتي بوقت ملاءم وتسبق ضرورة وأولوية الاتفاق على العقد السياسي الاجتماعي الذي هو فوق السياسة ويسبق الانتخابات وأي شئ آخر .
يُضاف إلى ذلك أن هناك توجهًا واضحًا إسرائيلي أمريكي لا يجابه برفض محلي فلسطيني رسمي وعربي واقليمي ودولي لإقصاء فصائل المقاومة عن المشاركة ما يمس بجوهر العملية الديمقراطية بالصميم، وقد بدأنا، للأسف، “نتعامل” مع هذا الأمر باعتباره الخيار العملي الذي لا مهرب منه. ففي حال خاضت هذه الفصائل الانتخابات، فإن مرشحيها سيكونون عرضة للاعتقال أو الاغتيال قبل الانتخابات أو بعدها. أما الانتخابات الرئاسية فما تزال برسم المجهول، إذ تتوقف على نتائج الانتخابات التشريعية، فإذا خسرتها السلطة لن تجرى، وعلى حل عقدة ترشح مروان البرغوثي القائد الأسير المرشح للفوز إذا لم يمنع من الترشح. كما أن غياب فصائل المقاومة عن المنافسة سيقلل من طابع الانتخابات العام السياسي والبرامجي ويقوي النزعات المحلية ويجعلها أقرب إلى تنافس بين أفراد ومراكز قوى ورجال أعمال وعائلات وعشائر ومعازل آهلة بالسكان مقطعة الأوصال بالحواجز والبوابات والمستوطنات والطرق الإلتفافية والمناطق الأمنية واعتداءات المستوطنين وجنود الاحتلال، على النفوذ والسيطرة، و قد يصب في مصلحة شخصيات قريبة من فصائل المقاومة، فضلًا عن وجود شرط الولاء السياسي الذي إذا اعتمد يمكن أن يستخدم قانونيا حتى ما بعد الانتخابات لمساءلة كل من يخرج عن التعهد بالموافقة على برنامج المنظمة والشرعية الدولية، واستمرار تعيين أعضاء المجلس الوطني بدل انتخابهم بصورة عامة وأكبر مما كان يجري في السابق بكثير.
وحتى إذا سلمنا، جدلًا، بأن الانتخابات ستُجرى، وأن شخصيات تحمل لواء الوطنية والديمقراطية ستفوز فيها، فإن الاحتلال سيصادر نتائجها، كما فعل في السابق.
لذلك، أرى أن الموقف الأكثر صوابًا هو اعطاء الأولوية لوضع وتنفيذ خطط وطنية تهدف لوقف الإبادة والتهجير والتطهير العنصري والضم وفرض السيادة، ولتوفير الإغاثة والشروع بالإعمار في غزة، و مقومات الصمود للشعب الفلسطيني على أرضه في الضفة والقطاع والداخل وبقاء قضيته حية والحفاظ على ما تبقى من انجازاته ومؤسساته وإحباط مخطط تصفية القضية الفلسطينية، و مواصلة العمل من أجل بلورة رؤية وطنية شاملة، وصياغة استراتيجيات مناسبة، وإقرار برنامج وطني جامع ومواصلة السعي للتوصل إلى توافق وطني على أسس وطنية وديمقراطية وشراكة حقيقية يضم كل العناصر والقوى والمؤسسات الوطنية والديمقراطية التي تتفق على أساس مشترك يهدف للتصدي للتحديات والمخاطر وتوظيف الفرص المتاحة، وفاق يمكن أن يؤدي للوحدة الوطنية البرامجية والمؤسساتية ويقوي الموقف الفلسطيني في كل الأحوال، إذا جرت الانتخابات او لا، مع ربط المشاركة في الانتخابات بتوافر الحد الأدنى من الشروط التي تكفل نزاهتها واحترام نتائجها بضمانات اقليمية ودولية. وإذا لم تتوافر هذه الشروط، فإن المقاطعة تصبح موقفًا سياسيًا واجبا يهدف إلى نزع الغطاء الشعبي والوطني والشرعية عن العملية الانتخابية ونتائجها، بدل منحها شرعية إضافية.
أما المشاركة رغم كل ما سبق فهي في دوافعها اعتراضية ضمن جعل الانتخابات عملا من أعمال مقاومة الاحتلال ومنعه من فرض شروطه وإملاءاته على القيادة الرسمية وعلى سلطة الحكم الذاتي عبر فرض شرعية تزور إرادة الشعب الفلسطيني أو بقاء الوضع السئ جدا على حاله، ضمن ظروف أفضل، فقد تكون إذا توفر الحد الأدنى من النزاهة وسيلة لعدم ترك الساحة فارغة، ولعدم منح العملية الانتخابية شرعية مجانية.
ورغم مساهمتي في الجهود الرامية إلى تشكيل أوسع جبهة وطنية ديمقراطية للنضال الوطني والديمقراطي، قبل الانتخابات وبعدها، والدعوة من أجل تشكيل قائمة وطنية واسعة جدا قادرة على الفوز وترشح مروان البرغوثي للرئاسة، فإنني أعتقد أن فرص تحقيق ذلك ما تزال ضئيلة ويجب العمل على توسيعها. وأظن أنك توافقني الرأي في هذا، لأن تغليب المصالح الفردية والفئوية، وسيطرة الأنا، والتنافس على ترتيب المرشحين في القائمة، وتدخلات الاحتلال والسلطة وأطراف إقليمية ودولية بالترغيب والتهديد، كلها عوامل قد تطيح، بهذه الأمنية الكبيرة.
ولكن الأمل يبقى قائما بأن الشعب الفلسطيني سيشق طريقه للخلاص عاجلا أم آجلا، لأنه فعل ذلك دائما. وسيفعل ذلك حتما خصوصا إذا وجد القيادة التي يستحقها، لأنه لم يرفع الراية البيضاء رغم كل الأهوال والتضحيات والنكبات، وقضيته عادلة ومتفوقة أخلاقيا وصارت أكثر من أي وقت مضى راية الحرية والأحرار في العالم كله.
