يشكل التوافق على خارطة طريق للانتقال إلى المرحلة الثانية من اتفاق وقف إطلاق النار في غزة تطورًا يستحق الترحيب، ليس لأنه ينهي الحرب أو يحسم الصراع، وإنما لأنه قد يفتح نافذة جديدة لتخفيف معاناة إنسانية بلغت مستوى غير مسبوق. لكن، وكما علمتنا التجربة الفلسطينية، فإن قيمة أي اتفاق لا تُقاس بما يعلنه الوسطاء، بل بما يصمد منه عندما يبدأ التنفيذ. ولهذا، فإن قراءة فرص نجاح خارطة الطريق لا ينبغي أن تبدأ من نص الاتفاق وحده، بل من البيئة السياسية التي سيُطلب منه أن يعمل داخلها. أولى هذه الحقائق أن الاتفاق لا يولد في فراغ، بل داخل صراع ما تزال تحكمه بنية غير متكافئة، يتصدرها استمرار الاحتلال الإسرائيلي، واختلال ميزان القوة، والسيطرة على الأرض والمعابر، والقدرة على فرض وقائع ميدانية تؤثر بصورة مباشرة في تنفيذ أي التزام. وهذه ليست مجرد ظروف تحيط بالاتفاق، بل هي الإطار الذي يحدد حدوده وإمكاناته وفرص نجاحه. ومن ثم، فإن أي تقييم جاد للمرحلة الثانية من اتفاق غزة يجب أن ينطلق من حقيقة أن البيئة البنيوية للصراع لم تتغير بعد، وأن تنفيذ الاتفاق سيتم في ظلها، لا خارجها.

ففي الجانب الإسرائيلي، لا يمكن قراءة السلوك الإسرائيلي باعتباره نتاج اعتبارات أمنية فقط، إذ تتداخل فيه حسابات الائتلاف الحكومي، وضغوط الأحزاب، ومتطلبات البقاء السياسي، وهي عوامل قد تدفع إلى تعطيل تنفيذ الاتفاق أو إعادة تفسيره كلما تعارض مع التوازنات الداخلية. بينما على الجانب الفلسطيني، فإن الاختبار الحقيقي لا يتعلق فقط بقدرة حركة حماس على التفاوض، وإنما بقدرتها على اتخاذ قرارات تعكس أن حماية المجتمع أصبحت المعيار الحاكم لسلوكها السياسي. فالحركات التي تقود مجتمعاتها في أوقات الحرب تُقاس بقدرتها على الصمود، لكنها تُقاس في لحظات الانتقال بقدرتها على تغليب المصلحة الوطنية عندما تتعارض مع حسابات التنظيم

فالخبرة المقارنة في إدارة الصراعات تؤكد أن الاتفاقات لا تعيش بالنصوص وحدها، وإنما بقدرتها على الصمود أمام اختبار التنفيذ. وهنا يبدأ الدور الحقيقي للوسطاء، لا عند لحظة التوقيع، بل بعدها. فكل انتقال من مرحلة إلى أخرى يفتح الباب أمام خلافات جديدة تتعلق بترتيب الالتزامات، وآليات التحقق، والضمانات، وكيفية التعامل مع أي خرق محتمل. ومن ثم، فإن نجاح خارطة الطريق سيعتمد إلى حد كبير على قدرة الوسطاء والرعاة على الانتقال من دور المسهّل إلى دور الضامن. بيد أن هذا التحول نحو الضامن يظل مجرد طموح نظري ما لم يمتلك الوسطاء ويستخدموا أوراق ضغط حقيقية؛ سواء عبر التهديد بالعزل السياسي، أو تحريك أدوات الضغط الاقتصادي، أو الربط بين ملفات الإعمار والتنسيق الأمني والالتزام بجدول زمني صارم.

ويبقى الاختبار الأكثر حساسية مرتبطًا بإرادة الأطراف نفسها.فالحركات السياسية تُختبر في زمن الحرب بقدرتها على الصمود، لكنها تُختبر في لحظات الانتقال بقدرتها على مراجعة أولوياتها عندما تصبح كلفة استمرار الحرب أعلى من كلفة القرارات الصعبة. ومن هذا المنظور، يثار السؤال الذي اصبح سؤالاً تقليدياً ومشروعاً حول مدى استعداد حركة حماس للتعامل مع المرحلة الثانية باعتبارها فرصة لتغليب المصلحة الوطنية والإنسانية، حتى إذا استدعى ذلك اتخاذ خيارات قد تكون مكلفة على المستوى التنظيمي أو السياسي. ففي مثل هذه اللحظات، لا يقاس نجاح الفاعلين السياسيين بما يحافظون عليه من مواقع، وإنما بما ينجحون في حمايته من مصالح شعوبهم.

وفي المقابل، فإن هذا الاختبار ينسحب بالقدر نفسه على إسرائيل. فنجاح المرحلة الثانية لن يقاس بما يصدر عنها من تصريحات، وإنما بمدى التزامها العملي باستحقاقات الاتفاق، وامتناعها عن توظيف تفوقها العسكري أو سيطرتها الميدانية لإعادة تفسير الالتزامات أو فرض شروط جديدة أثناء التنفيذ. فالاختلال في ميزان القوة لا ينبغي أن يتحول إلى وسيلة لتغيير مضمون الاتفاق بعد توقيعه، وإلا فإن الثقة التي يقوم عليها أي انتقال بين المراحل ستتعرض للتآكل سريعًا.

إن اختزال فرص نجاح خارطة الطريق في بند هنا أو موعد هناك لا يساعد على فهم المشهد. فالاتفاق ليس وثيقة قانونية معزولة عن سياقها، وإنما جزء من بيئة سياسية معقدة تتداخل فيها بنية الاحتلال، والحسابات الحزبية والداخلية، ودور الوسطاء وضغوط القوى الدولية والتمويل الإقليمي. وكلما تحركت هذه العوامل في اتجاه دعم التنفيذ عبر إنشاء آليات رقابة أممية مستقلة وربط الالتزامات بواقع ميداني ملزم، ازدادت فرص نجاح الاتفاق. أما إذا بقيت متعارضة، فإن أي تقدم سيظل هشًا وقابلًا للانتكاس. ولهذا، فإن السؤال الذي ينبغي أن يشغلنا اليوم ليس ما إذا كانت خارطة الطريق أفضل من سابقاتها، وإنما ما إذا كانت البيئة السياسية التي ستعمل داخلها قد شهدت تغيرًا حقيقيًا، ووُضعت لها الآليات الكفيلة بفرض صمودها. فإذا بقيت العوامل والآليات التي أعاقت تنفيذ الاتفاقات السابقة على حالها، فلن يكون مستغربًا أن تواجه هذه الخارطة المصير نفسه، مهما بدت بنودها متماسكة. أما إذا كانت الحرب، بكل ما خلفته من كلفة إنسانية وسياسية واستراتيجية، قد دفعت الأطراف إلى مراجعة حساباتها، وخلقت إرادة حقيقية لدى الوسطاء لحماية التنفيذ عبر آليات ضغط عملية، وأصبح إنقاذ الإنسان الفلسطيني أولوية تتقدم على الحسابات الضيقة، فقد تكون هذه الخارطة أكثر من مجرد انتقال إلى مرحلة ثانية؛ وقد تمثل فرصة نادرة لكسر الحلقة التي عطلت اتفاقات كثيرة قبلها.

فالخبرة التاريخية، التي راكمت عشرات الاتفاقات والتفاهمات، تعلمنا أن الاتفاقات لا تفشل دائمًا لأنها سيئة، بل لأنها تُكلَّف أحيانًا بمهمة أكبر من قدرتها: أن تنجح في بيئة ما زالت تُنتج أسباب تعثرها. ولذلك، فالاختبار الحقيقي لا يبدأ في قاعات التفاوض، بل عندما يصطدم الاتفاق بالواقع السياسي الذي أُبرم داخله. وهناك فقط سيتبين إن كانت خارطة الطريق تمثل بداية مختلفة، أم مجرد محاولة جديدة لإحياء اتفاق في بيئة لم تتغير بعد.

شاركها.