*

لم تكن أهمية كلمة الأمين العام لحركة الجهاد الإسلامي، زياد النخالة، في الذكرى الثالثة لـ«طوفان الأقصى»، أنها أعادت التأكيد على خيار المقاومة؛ فهذا الخيار ليس جديدًا على الحركة ولا يحتاج إلى مناسبة لإثباته. الأهم في الكلمة أنها تكشف كيف أعادت ثلاث سنوات من الحرب تشكيل موقع الجهاد الإسلامي، ووسّعت الأسئلة التي تواجهها الحركة وهي ما تزال في قلب المواجهة.
فالحركة التي دخلت الحرب وهي تعرف موقعها بوصفها قوة مقاومة، وجدت نفسها خلال السنوات الثلاث أمام ملفات تتجاوز الاشتباك العسكري المباشر: المفاوضات، الأسرى، الوحدة الوطنية، مستقبل غزة، العلاقة بين القوى الفلسطينية، وشكل التمثيل الوطني في المرحلة المقبلة.
وهنا تكمن دلالة كلمة النخالة: فهي تكشف اتساع دائرة الأسئلة التي تواجه الحركة، وتطور موقعها داخل المشهد الفلسطيني، في ظل حرب طويلة لم تعد حدودها عسكرية فقط.

*ثلاث سنوات أعادت رسم موقع الحركة*
لم تكن السنوات الثلاث مجرد فترة طويلة من القتال، بل تجربة غيّرت البيئة التي تتحرك فيها القوى الفلسطينية، وأعادت ترتيب العلاقة بين المقاومة والمجتمع والسياسة.
الجهاد الإسلامي، مثل غيره من قوى المقاومة، دفع ثمنًا كبيرًا لهذه الحرب، لكنه وجد نفسه في الوقت نفسه أمام واقع لا يمكن التعامل معه بالأدوات العسكرية وحدها. فكلما طال أمد الحرب، تداخلت ملفات الأسرى والمفاوضات ووقف النار ومستقبل غزة وإعادة الإعمار مع سؤال المقاومة وموقعها في المرحلة المقبلة.
وهذا لا يعني أن الحركة تبحث عن سلطة أو تسعى إلى التحول إلى حزب سياسي تقليدي؛ فتاريخها السياسي والتنظيمي لا يقوم على هذا النموذج. لكن استمرار الحرب واتساع تداعياتها جعلا الحركة أمام مساحة أوسع من المسؤوليات والأسئلة الوطنية.
بعبارة أخرى، الحرب لم تغيّر هوية الجهاد الإسلامي بقدر ما وسّعت الأسئلة التي تفرضها هذه الهوية على الحركة.

*من المقاومة إلى الشعب الفلسطيني*
من اللافت في خطاب النخالة أن حديثه لم يتوقف عند المقاومة وقواها، بل اتسع إلى مفهوم الشعب الفلسطيني ووحدته.
فعندما يتحدث عن «وحدة الشعب الفلسطيني في كل أماكن وجوده»، وعن «وحدة الشعب الفلسطيني وقواه السياسية»، فهو يضع المقاومة داخل إطار وطني أوسع، ولا يتعامل معها باعتبارها مساحة منفصلة عن المجتمع والقضية.
وهذه نقطة مهمة في قراءة تطور خطاب الحركة.
فالجهاد الإسلامي حافظ تاريخيًا على استقلاليته، ولم يقدم نفسه باعتباره ممثلًا وحيدًا للفلسطينيين، كما لم يبنِ مشروعه على السيطرة على مؤسسات السلطة. لكن الحرب الطويلة جعلت العلاقة بين المقاومة والمجتمع الفلسطيني أكثر حضورًا في حسابات المرحلة.
المقاومة لا تعمل في فراغ. هي جزء من مجتمع، وتقاتل في سياق قضية وطنية، وأي حرب ممتدة تفرض عليها أن تنظر ليس فقط إلى كيفية خوض المواجهة، وإنما أيضًا إلى المجتمع الذي تتحرك داخله، وإلى مصير القضية التي تقاتل من أجلها.
لذلك تبدو الإشارة إلى وحدة الشعب الفلسطيني في خطاب النخالة أبعد من كونها تأكيدًا على موقف معروف؛ فهي تعكس إدراكًا بأن المرحلة لا يمكن أن تُقرأ بمنطق الفصائل وحدها، وأن موقع المقاومة يرتبط في النهاية بموقعها داخل المشروع الوطني الفلسطيني الأوسع.

*من وحدة الميدان إلى وحدة الموقف*
تحدث النخالة عن قتال سرايا القدس وكتائب القسام موحدتين في الميدان، إلى جانب فصائل أخرى، ثم أشار إلى الحفاظ على «الجبهة السياسية موحدة».
هذه العبارة تستحق التوقف، لأنها تنقل مفهوم الوحدة من مستوى التنسيق العسكري إلى مستوى أوسع.
فالحرب أظهرت أن تعدد القوى في الميدان لا يلغي الحاجة إلى قدر من التفاهم حول الملفات التي تترتب على الحرب. فالميدان ينتج القوة، لكنه لا يحدد وحده كيفية التعامل مع نتائجها.
ومن هنا يمكن فهم حضور الوحدة السياسية في خطاب النخالة: ليس باعتبارها بديلًا عن وحدة الميدان، وإنما باعتبارها امتدادًا لها عندما تبدأ الأسئلة المتعلقة بالأسرى ووقف النار ومستقبل غزة والعلاقة بين القوى الفلسطينية.
وهذا يفسر أيضًا لماذا أصبحت الجبهة السياسية جزءًا من حديث الحركة، من دون أن يعني ذلك ذوبان استقلاليتها أو التخلي عن خصوصيتها.

*المفاوضات تدخل حسابات المقاومة*
ربما كانت المفاوضات أكثر الملفات التي كشفت اتساع الأسئلة أمام الجهاد الإسلامي.
فالنخالة تحدث عن الوفد الفلسطيني المفاوض باعتباره يتحدث باسم الشعب الفلسطيني وباسم قوى المقاومة، وربط موقف الحركة من هذا المسار بإيمانها بالوحدة الوطنية.
لا تعني هذه الإشارة أن الجهاد الإسلامي أصبح حركة تفاوضية، ولا أن المفاوضات تحولت في رؤيته إلى بديل عن المقاومة. الأدق أنها أصبحت جزءًا من واقع الصراع الذي لا تستطيع الحركة تجاهله.
فحين ترتبط المفاوضات بمصير الأسرى ووقف الحرب وترتيبات المرحلة التالية، يصبح السؤال بالنسبة إلى قوة تقاتل على الأرض هو: كيف تضمن ألا تُقرر نتائج ما يجري في الميدان بعيدًا عن القوى التي صنعت جزءًا من هذه المعادلة؟
من هنا يمكن فهم حضور المفاوضات في خطاب الحركة بوصفها إحدى ساحات إدارة الصراع، لا خروجًا منه.

*حين لا يكفي الميدان وحده*
هنا تبرز إحدى أهم نتائج الحرب بالنسبة إلى قوى المقاومة.
القوة العسكرية تستطيع أن تفرض وقائع، وأن تغيّر حسابات الخصم، وأن تجعل الحرب مكلفة، لكنها لا تجيب وحدها عن كل الأسئلة التي تنتجها الحرب. ماذا عن الأسرى؟ ماذا عن وقف النار؟ ماذا عن مستقبل غزة؟ ماذا عن وحدة الفلسطينيين؟ ومن يشارك في صياغة الترتيبات التي ستنشأ في ظل استمرار الصراع؟
هذه ليست بالضرورة أسئلة سلطة أو حزب سياسي؛ إنها أسئلة قوة مقاومة أصبحت طرفًا أساسيًا في معادلة الصراع.
ولهذا فإن اتساع خطاب الجهاد الإسلامي لا ينبغي أن يُفهم بوصفه ابتعادًا عن وظيفته الأصلية، بل باعتباره استجابة لواقع أصبحت فيه حدود الميدان وما يترتب عليه أكثر تداخلًا.

*اتساع الوظيفة لا تبدّل الهوية*

من هنا يصبح السؤال أكثر دقة من الحديث عن «انتقال» الحركة من المقاومة إلى السياسة.
المعطيات التي تظهر في خطاب النخالة تشير إلى اتساع في وظيفة الحركة أكثر مما تشير إلى تبدل في هويتها.
الجهاد الإسلامي لا يقدم نفسه كحزب يسعى إلى السلطة، ولا يبدو أن مشروعه يقوم على التحول إلى فصيل سياسي تقليدي. وفي المقابل، لم تعد الملفات الوطنية الكبرى بعيدة عن دوره، خصوصًا عندما ترتبط مباشرة بنتائج الحرب وبمستقبل القضية الفلسطينية.

*وهنا تكمن المعادلة الصعبة.*
كلما اتسع مجال التأثير، ازدادت الحاجة إلى مواقف وتفاهمات سياسية. لكن اتساع هذا المجال يحمل في المقابل خطر الانجرار إلى منطق السياسة اليومية بما فيه من مساومات وتوازنات وتحالفات قد تفرض على الحركة حسابات مختلفة عن منطق المقاومة.
لذلك فإن التحدي الحقيقي أمام الجهاد الإسلامي ليس أن يصبح سياسيًا، وإنما أن يوسّع قدرته على التأثير في القضايا الوطنية من دون أن يفقد خصوصيته واستقلاليته كحركة مقاومة.

*القائمة الوطنية: اختبار مبكر*
وفي هذا السياق يمكن قراءة الحديث عن صيغ انتخابية وطنية تضم الجهاد الإسلامي وحماس وقوى فلسطينية أخرى، بما فيها تيارات وشخصيات من خارج البنية التقليدية للفصائل.
لا ينبغي التعامل مع هذه الفكرة باعتبارها دليلًا على تحول مكتمل؛ فهي، في هذه المرحلة، أقرب إلى اختبار لطبيعة المشاركة الوطنية الممكنة في ظل إعادة ترتيب المشهد الفلسطيني.
لكن أهميتها تكمن في السؤال الذي تفتحه: هل تستطيع قوى المقاومة أن تجد صيغة للحضور في المجال الوطني العام من دون أن تفقد استقلالها، أو تتحول إلى مجرد مكونات داخل نظام سياسي تقليدي؟
بالنسبة إلى الجهاد الإسلامي، يبدو السؤال أكثر حساسية، لأن الحركة بنت جزءًا أساسيًا من هويتها على الابتعاد عن نموذج السلطة التقليدية.
ومن ثم فإن قيمة أي حضور سياسي مستقبلي للحركة لن تقاس فقط بعدد المقاعد أو المواقع، وإنما بقدرتها على الحفاظ على توازن دقيق بين الاستقلالية والمشاركة، وبين المقاومة والتأثير الوطني.

*ما الذي تغيّر إذن؟*
ربما لا تكون المسألة أن الجهاد الإسلامي أصبح حركة مختلفة بعد «طوفان الأقصى». فجوهر الحركة، وخيارها في المقاومة، وموقعها من الصراع مع إسرائيل، لا تزال تشكل أساس تعريفها لنفسها.
الذي تغيّر هو البيئة التي تعمل فيها، وحجم الأسئلة التي أصبحت تواجهها.
ثلاث سنوات من الحرب الممتدة جعلت قضايا كانت تبدو في السابق منفصلة عن العمل المقاوم متداخلة معه بصورة أكبر: الأسرى، المفاوضات، الوحدة الوطنية، مستقبل غزة، والعلاقة بين القوى الفلسطينية.

*وهنا تظهر أهمية كلمة النخالة.*
فهي لا تعلن تبدل هوية الجهاد الإسلامي، وإنما تكشف أن المقاومة نفسها أصبحت تعمل داخل مساحة أكثر تعقيدًا من ذي قبل؛ مساحة لا ينفصل فيها الميدان تمامًا عما يجري حوله، ولا يمكن فيها للقوة العسكرية أن تتجاهل كيفية إدارة آثارها ونتائجها.
ومن هذه الزاوية، فإن السؤال الذي تطرحه السنوات الثلاث على الجهاد الإسلامي ليس: هل ستتحول الحركة إلى السياسة؟
السؤال الأعمق هو: كيف تستطيع حركة مقاومة أن توسّع مجال تأثيرها الوطني، وأن تتعامل مع الأسئلة التي تفرضها الحرب، من دون أن تفقد البوصلة التي تشكلت حولها هويتها؟
هذا هو الاختبار الذي تفتحه المرحلة أمام الجهاد الإسلامي، وربما أمام قوى المقاومة الفلسطينية كلها: ليس تغيير موقعها من المقاومة، وإنما معرفة كيف تحافظ على هذا الموقع وهي تواجه واقعًا أصبحت أسئلته أكبر من الميدان وحده.

شاركها.